Alshafafya Szaffaf/szaffafiat

الكرملين والتاريخ كسلاح: كيف تربط الدعاية الروسية في العالم العربي النازية بأمريكا

الكرملين والتاريخ كسلاح: كيف تربط الدعاية الروسية في العالم العربي النازية بأمريكا

    خلال الأشهر الأخيرة، ظهرت في الفضاء الإعلامي العربي حملة مكثفة تقودها وسائل إعلام روسية ناطقة بالعربية – من بينها موقع sarabic.ae المرتبط بشبكة “سبوتنيك” – تحاول إقناع القارئ بأن جذور الفكر النازي لا تعود إلى ألمانيا، بل إلى الولايات المتحدة الأمريكية. هذه السردية ليست مصادفة، بل جزء من استراتيجية أوسع يتبعها الكرملين منذ سنوات، تقوم على استخدام التاريخ أداةً للتأثير السياسي. الهدف في هذه الحالة مزدوج: تشويه صورة الولايات المتحدة، وتقديم روسيا على أنها القوة الوحيدة التي “هزمت الفاشية”. كيف تُقدَّم هذه السردية؟ في سلسلة مقالات نُشرت بين أبريل ومايو 2025، تكررت عدة أفكار رئيسية: القوانين العنصرية – الزعم بأن قوانين نورمبرغ التي سنّها هتلر استُلهمت من قوانين الفصل العنصري الأمريكية (المعروفة بقوانين “جيم كرو”). التوسع الإقليمي – مقارنة فكرة المجال الحيوي (Lebensraum) في الفكر النازي بعقيدة “القدر المتجلي” (Manifest Destiny) في التاريخ الأمريكي، والتي بررت التوسع على حساب أراضي السكان الأصليين. اليوجينا (تحسين النسل) – الادعاء بأن الحركة الأمريكية لتحسين النسل كانت مصدر إلهام مباشر لسياسات ألمانيا النازية. الثقافة والقانون – الإيحاء بأن السينما الأمريكية والأدب والقوانين ساهمت في تشكيل الفكر النازي. هذه النقاط تستند أحياناً إلى وقائع تاريخية جزئية، لكن تُعرض خارج سياقها الكامل. صحيح أن النازيين اطلعوا على بعض القوانين والنقاشات الأمريكية، لكن أيديولوجيتهم نشأت في بيئة سياسية وفكرية مختلفة، وتم تطبيقها بأسلوب عنيف وشامل لم يعرفه أي نظام ديمقراطي. لماذا يتحدث الكرملين بهذه اللغة إلى العرب؟ روسيا تدرك أن ذاكرة الاستعمار والتمييز العنصري والهيمنة الغربية ما زالت حاضرة في وعي كثير من الشعوب العربية. ومن خلال ربط الولايات المتحدة بالنازية، تسعى موسكو إلى: التشكيك في شرعية أمريكا الأخلاقية كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تقديم نفسها كدولة “لم تستعمر” و”حاربت الفاشية”، صرف الانتباه عن أفعالها الحالية، مثل حربها في أوكرانيا، باستخدام أسلوب “وأنتم أيضاً ارتكبتم جرائم” (whataboutism). ما الذي يتم إخفاؤه؟ هذه السردية تتجاهل أن الولايات المتحدة كانت شريكاً أساسياً في هزيمة النازية، ولا تذكر حركة الحقوق المدنية التي أنهت الفصل العنصري هناك، وتتغاضى عن تحالف هتلر وستالين عام 1939 عندما غزت ألمانيا والاتحاد السوفييتي بولندا معاً. لماذا الأمر مهم؟ مثل هذه الحملات لا تغيّر فقط فهم الناس للتاريخ، بل تشكل أيضاً طريقة رؤيتهم للسياسة اليوم. إذا اقتنع القارئ بأن الغرب لا يختلف عن الأنظمة الشمولية أو أنه أسوأ منها، يصبح من الأسهل عليه تقبل سياسات عدوانية تنفذها روسيا أو أنظمة سلطوية أخرى. الخلاصة التاريخ، في هذه السردية، ليس مجرد وقائع ماضية، بل سلاح في حرب المعلومات. ولهذا، يصبح الوعي النقدي بالمصادر، وفهم أساليب التضليل، والإلمام بالسياق التاريخي الكامل ضرورة لأي قارئ في العالم العربي. لأن إدراك متى تتحول القصة التاريخية إلى أداة سياسية هو الخطوة الأولى لمواجهة هذا النوع من الدعاية.  

لماذا اتهمت روسيا بولندا بدعم الإرهاب؟ تحليل لرسالة دعائية موجّهة إلى الدول العربية

مادة مقلقة في الفضاء الإعلامي العربي في الأسابيع الأخيرة، ظهرت في القنوات الإخبارية العربية، بما في ذلك النسخة العربية من موقع “سبوتنيك” الروسي، مادة إعلامية أثارت قلقًا بالغًا. تتعلق هذه المادة بما يُزعم أنه “اكتشاف خلية إرهابية” داخل الاتحاد الروسي، كانت – بحسب جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) – تعمل بأوامر من مبعوث قادم من بولندا. يشير البيان إلى خطط لـ”الاستيلاء على السلطة بالقوة” و”تأسيس خلافة عالمية”. للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر كأنّه بلاغ عن تهديد حقيقي. ولكن في الواقع، نحن أمام عملية تلاعب إعلامي، تستهدف ليس فقط المجتمع الروسي، بل أيضًا الجمهور في الدول العربية. لماذا وُجِّه هذا الخطاب تحديدًا إلى الدول العربية؟ لطالما كانت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ساحةً للتأثيرات الإعلامية، سواء من جانب الغرب أو من جانب روسيا. ويُدرك الكرملين جيدًا أن اتهام الغرب بإثارة الفوضى، والإرهاب، وانهيار النظام الاجتماعي، يمكن أن يجد صدىً واسعًا في مجتمعات أُنهكت من الحروب، والتدخلات الأجنبية، ونفاق السياسات الغربية. وفي هذا السياق، صُوِّرت بولندا – بصفتها عضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحليفًا للولايات المتحدة، وداعمًا نشطًا لأوكرانيا – بشكلٍ مصطنع كدولة تقوم باختراق المجتمعات المسلمة وتغذية التطرف. في الواقع، لا توجد أي أدلة تدعم هذه المزاعم. إنها رواية مصمَّمة منذ البداية وحتى النهاية لإثارة المشاعر: الغضب تجاه الغرب، عدم الثقة بأوروبا، والخوف من “مؤامرة عالمية” تستهدف البلدان الإسلامية. آليات التضليل الإعلامي: كيف تعمل الدعاية الروسية؟ المادة التي أعدّها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) والتي نُشرت، من بين جهات أخرى، عبر “سبوتنيك” بالعربية، تحمل جميع سمات العملية النفسية الكلاسيكية: تخصيص التهديد – تُذكر شخصية محددة: “مبعوث من بولندا”، ما يمنح الرواية طابعًا واقعيًا ومقنعًا. شيطنة الخصم – تُقدَّم بولندا، الدولة المسيحية والأوروبية، على أنها مصدر إلهام للإرهاب الإسلامي، وهي مزدوجة في التضليل، لأنها تعمق الانقسامات الدينية والحضارية. الكلمات المفتاحية العاطفية – مثل “الخلافة العالمية”، “الاستيلاء على السلطة بالقوة”، و”الأيديولوجيا الإرهابية”، وهي مصطلحات تهدف إلى إثارة الخوف والغضب. تضخيم الرسالة – أي نشرها في الأسواق الإعلامية العربية، حيث ترتبط مفاهيم مثل “الخلافة” و”الحرب على الإرهاب” بحساسيات تاريخية ونفسية قوية. بهذا الأسلوب، تحاول روسيا أن تُظهر نفسها كضحية، بينما تُصوِّر الغرب كعدو يستغل الإسلام لتحقيق أهدافه الخاصة. السياق الاجتماعي والسياسي في الدول العربية في العديد من الدول العربية، تُبدي المجتمعات حساسية شديدة تجاه قضايا الهوية والكرامة والتدخلات الخارجية والاستخدام السياسي للدين. وهذه بالضبط هي المشاعر التي تستغلها الدعاية الروسية. إن محاولة ربط الإسلام بتدخّل أجنبي – وتحديدًا من دولة أوروبية – تهدف إلى إثارة الغضب واستثارة تضامن غريزي مع “ضحايا المؤامرة”. وفي الوقت ذاته، يُقدِّم الكرملين نفسه كخصم للفوضى، ومدافع عن النظام، ومعارض لما يصفه بـ”الغرب الاستعماري”. المشكلة في هذا الخطاب لا تكمن فقط في كونه زائفًا، بل أيضًا في كونه خطيرًا. فهو يُعزّز الصور النمطية، ويُعمِّق انعدام الثقة تجاه أوروبا، ويُوظِّف مشاعر المجتمعات العربية لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بمصلحتها الحقيقية. البُعد الدولي والخطر على العلاقات نشر مثل هذه الرسائل باللغة العربية يهدف إلى إضعاف العلاقات بين الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بولندا. فإذا صدّق الرأي العام في المنطقة أن بولندا تشارك في عمليات سرية ضد المسلمين، فقد يؤدي ذلك إلى تدهور التعاون، وزيادة مشاعر العداء الشعبي، بل وربما يؤثر أيضًا على القرارات الدبلوماسية. كما أن هذه الرسالة تمثّل اختبارًا. فإذا مرّ هذا النوع من التلاعب دون رد فعل، فإن الكرملين سيشعر بالثقة في استخدام أساليب مماثلة ضد دول أخرى مستقبلاً. الحقيقة: بولندا والإسلام والمجتمعات المسلمة في الواقع، تُعد بولندا بلدًا يتمتع بحضور إسلامي تاريخي متجذر – من أبرز مظاهره وجود مجتمع التتار المسلمين الذين يعيشون على أراضي الجمهورية منذ قرون. ولا توجد في بولندا أي مؤسسات تُمارس أنشطة معادية للإسلام. بل على العكس، تعمل المنظمات الإسلامية بشكل قانوني، وهي جزء من الحياة العامة، والدولة تضمن حرية المعتقد الديني. أما الاتهام بأن بولندا تُلهِم الإرهاب، فلا يستند إلى أي حقائق، بل هو مجرد مشهد دعائي مُلفّق، اُستخدِم لأغراض سياسية بحتة. توصيات: كيف نواجه مثل هذه الرسائل؟ التفكير النقدي – إذا أثارت المادة الإعلامية مشاعر قوية، من المهم أن نتساءل: من أعدّها؟ ولماذا؟ التحقق من المصادر – هل المصدر موثوق؟ هل يعتمد الخطاب على أدلة حقيقية، أم على تلميحات وشبهات؟ التعلُّم عن آليات الدعاية – فهم كيفية عمل حملات التأثير هو الخطوة الأولى نحو بناء مناعة إعلامية. دعم الحوار بين الثقافات – بدلًا من الاستسلام لسرديات “صراع الحضارات” المزعومة، ينبغي تعزيز التعاون، والاحترام المتبادل، والعلاقات الحقيقية المبنية على الوقائع. إن الحملة الإعلامية الروسية التي تتهم بولندا بدعم الإرهاب ليست مجرد خبر كاذب، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى زرع الانقسام بين حلفاء الغرب، وتفكيك الثقة بين الشعوب، وتصوير روسيا على أنها الشريك الوحيد المستقر. هذا الخطر لا يهدد بولندا وحدها، بل يشمل أيضًا الدول العربية، التي قد تصبح ضحيةً لحملات تضليلية مُوجَّهة من الخارج. فلنكن واعين، متّزنين، مطّلعين، ومحصّنين في وجه هذا النوع من التلاعب. A public task financed by the Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Poland within the frame of “Public Diplomacy 2024-2025: The European Dimension and Countering Disinformation” contest The publication expresses only the views of the author and cannot be identified with the official position of the Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Poland.  

لماذا تحتاج إيران إلى “حليف” مثل روسيا؟

  لماذا تحتاج إيران إلى “حليف” مثل روسيا؟ في مقابلة أجراها السفير الروسي في العراق، إلبروس كوتراشيف، مع الصحفي حسام علي على قناة الشرقية، كشف عن غير قصد حقيقة ما يمكن أن يتوقعه “حلفاء” روسيا منها عندما يحتاجون إلى الدعم: لا شيء. الحرب بين إسرائيل وإيران سرعان ما أكدت هذه الحقيقة، رغم أن طهران كانت قد تلقت أدلة على خيانة موسكو قبل ذلك بوقت طويل. في يناير 2025، كشفت وكالة “تابناك” الإيرانية أن روسيا “تواطأت لصالح إسرائيل” في سوريا، حيث قامت، من بين أمور أخرى، بإيقاف الرادارات خلال غارة إسرائيلية استهدفت قادة إيرانيين على الأراضي السورية. ووفقًا للوكالة الإيرانية، فقد كان هذا مؤشراً واضحاً على وجود تعاون روسي مباشر مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة. كما أن موسكو عرقلت الدعم الإيراني للرئيس بشار الأسد خلال هجوم شنه مقاتلو الجماعات الجهادية، وهو ما أدى إلى سقوط مناطق كبيرة من سيطرة النظام. كما أن عملاء مرتبطين بإسرائيل داخل الجيش السوري، وهم محسوبون على روسيا، قاموا بخيانة القائد الإيراني المسؤول عن الدفاع عن حلب، الجنرال بورحمشمي، وساهموا بشكل مباشر في اغتياله. فإذا حدث هذا في الماضي، فهل من المستبعد أن تكون روسيا قد ساعدت إسرائيل أيضاً في تحديد الأهداف خلال “حرب الأيام الاثني عشر” الأخيرة؟ المؤشرات كثيرة، والاحتمال وارد بقوة. يجب على إيران أن تسأل نفسها: لماذا لم تبادر روسيا، رغم حصولها على طائرات مُسيّرة إيرانية من طراز “شاهد“، إلى تزويد طهران بمنظومة الدفاع الجوي S-400 أو الطائرات المقاتلة Su-35، رغم أن إيران كانت في أمسّ الحاجة إليها خلال المواجهة مع إسرائيل؟ الجواب على لسان السفير كوتراشيف نفسه، حيث قال بوضوح إن “روسيا لا تدعم الهجمات على إسرائيل لأن هناك مليون إسرائيلي من أصول روسية يعيشون فيها“. ولعل الأهم من ذلك أن من بينهم عدد من الأوليغارش الروس المرتبطين بالكرملين، مثل رومان أبراموفيتش، الذين نقلوا ثرواتهم إلى إسرائيل لحمايتها من العقوبات الأمريكية. لكن ألم توقع إيران وروسيا في موسكو، في بداية هذا العام، معاهدة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة“؟! السفير كوتراشيف أوضح بصراحة ماذا تعني “الشراكة الاستراتيجية” من منظور روسي: ليست تحالفًا، ولا تتضمن أي التزام بالمساعدة في حال التعرض لهجوم، بل فقط وعد بعدم دعم المعتدي. يجب أن نقر بأن الرجل قال الحقيقة: إيران لم تتلقَّ أي مساعدة روسية خلال الهجوم الإسرائيلي، ولن تتلقاها لاحقًا. والسؤال الذي يجب طرحه هو: ما قيمة “شراكة استراتيجية” كهذه؟! وينطبق الأمر ذاته على “المقاومة” في العراق. فلو قررت المشاركة في الحرب، فإن الدعم الروسي، بحسب كوتراشيف، لن يتجاوز “الدعاء لها بالصمود“. الحرب بين إيران وإسرائيل كانت بمثابة هدية لروسيا، ولكن قرار إيران بتهدئة التصعيد شكّل ضربة مؤلمة لموسكو. كانت روسيا تأمل أن تقوم طهران بإغلاق مضيق هرمز، وأن تُهاجم فصائل المقاومة في العراق السفارة الأمريكية وقاعدة “عين الأسد“. لم تكن موسكو قلقة من احتمالية اندلاع حرب مدمرة وطويلة الأمد في إيران، أو اشتعال العراق من الداخل، لأن الأهم بالنسبة لها كان أن تُجرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع جديد في الشرق الأوسط. وهي حرب لا تصبّ في مصلحة أمريكا، ولا العراق، ولا إيران، ولكنها تخدم روسيا بشكل مباشر. في حال اندلاع مثل هذه الحرب، كانت روسيا ستستفيد على عدة أصعدة: أولًا، سيتم سحب القوات والموارد الأمريكية من أوكرانيا ووسط أوروبا، وهو ما يمنح موسكو فرصة للهجوم على دول البلطيق. ثانيًا، سترتفع أسعار النفط والغاز بشكل كبير – وهو أمر مفيد جدًا للاقتصاد الروسي. فروسيا لا تعتمد على مضيق هرمز، في حين أن إيران والعراق سيدفعان الثمن دمارًا وخسارة دون مكاسب تذكر. في النهاية، يبقى السؤال: لمصلحة من تتحرك روسيا في المنطقة؟ وهل آن الأوان للبعض أن يطرح هذا السؤال على نفسه بصدق؟ Witold Repetowicz

الحرب على السرديات في مصر كيف تميّز الدعاية قبل أن تميّزك هي؟

في عالمنا اليوم، لم يعد من الضروري استخدام السلاح للفوز بالحروب – يكفي الكلمة. صورة، مقطع فيديو قصير، أو شعار يُعاد تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون له تأثير أقوى من أحدث التقنيات العسكرية. لقد أصبحت الفضاءات الرقمية ساحات معارك جديدة – لا تُخاض على الأرض، بل على وعي الناس وإدراكهم. ولهذا، فإن فهم آليات الدعاية والمعلومات المضللة لم يعد ترفًا يقتصر على المتخصصين، بل هو ضرورة لكل مواطن يريد أن يحتفظ بالسيطرة على ما يفكر فيه، وما يشعر به، وما يشاركه مع الآخرين. هذا النص لا يهدف إلى انتقاد الحكومات أو المؤسسات أو الأفراد. إنما هدفه هو التوعية – توضيح كيف يمكن لأي جهة صاحبة سلطة، سواء كانت دولة أو شركة أو طرفًا خارجيًا، أن تؤثر على الرأي العام من خلال استخدام أدوات السرد والخطاب. فكلما فهمنا هذه الآليات بشكل أعمق، أصبح من الأصعب على أي جهة أن تتحكم فينا أو توجه وعينا دون أن ننتبه. خلال العقد الأخير، تضاعف عدد مستخدمي الإنترنت في مصر أكثر من مرّتين. وهذا لا يعني فقط أن الوصول إلى المعلومات أصبح أسهل، بل يعني أيضًا أن فرص التعرّض للتلاعب أصبحت أكبر. فالمجتمع المتعطش للمعرفة يواجه بشكل متزايد محتوى لا يهدف إلى التثقيف أو الإخبار، بل إلى إثارة المشاعر: الغضب، الخوف، الشك، وأحيانًا الكراهية. فالعاطفة، وليست الحقيقة، هي الوقود الأساسي للدعاية. ولا يوجد فراغ في الفضاء الإعلامي. فإذا عجزت وسائل الإعلام الموثوقة عن مخاطبة الناس بلغة بسيطة ومؤثرة ومفهومة، ستملأ هذا الفراغ جهات أخرى تروي القصص بما يخدم مصالحها – حتى وإن لم تكن تلك القصص صادقة. من يتمكن أولًا من تغليف الحقائق في سردٍ مشوّق، يحصل على الانتباه. وفي العصر الرقمي، الانتباه هو العملة الأغلى ثمناً. من بين النماذج المعروفة التي يستخدمها المتخصصون في دراسة التضليل الإعلامي، يبرز ما يُعرف باسم نموذج "4D"، وهو اختصار لأربعة مصطلحات إنجليزية: "Dismiss" (التشكيك)، "Distort" (التحريف)، "Distract" (الإلهاء)، و"Dismay" (الترهيب). ورغم أن هذه الكلمات قد تبدو غريبة في لفظها، إلا أن ممارساتها مألوفة لنا جميعًا في الحياة اليومية. أولًا، "Dismiss" تعني التقليل من شأن الخصم أو نزع المصداقية عنه، ليس من خلال الرد على حججه، بل عبر نعته بصفات مثل "عميل أجنبي"، أو "خائن"، أو حتى "غير متزن عقليًا". أما "Distort"، فهي التلاعب بالمعلومات، كعرض الأرقام دون سياقها الحقيقي، أو استخدام صور مجتزأة، أو المزج بين الحقائق وأنصاف الحقائق لتشكيل صورة مضللة. النمط الثالث، "Distract"، يقوم على خلق ضجة إعلامية مفاجئة – كفضيحة شخصية أو حادث مثير – للتغطية على حدث أكثر أهمية سياسيًا أو اقتصاديًا. وأخيرًا، "Dismay" يتمثل في إثارة الخوف لدى الجمهور، عبر رسائل توحي بأن التفاعل مع محتوى معين قد يؤدي إلى المساءلة القانونية أو الاجتماعية. هذه الأدوات الأربع، عند استخدامها معًا أو بشكل متكرر، لا تهدف إلى نقل الحقيقة، بل إلى توجيه المشاعر وصياغة واقع بديل يخدم مصالح من يملك أدوات السرد. نرى تطبيقات عملية لهذه الاستراتيجيات في الحياة اليومية في مصر. في السنوات الأخيرة، ازدادت السرديات التي تربط بين المشاكل الاقتصادية – مثل ارتفاع الأسعار – وبين وجود المهاجرين أو اللاجئين. هذا النوع من الخطاب لا يستند إلى تحليل علمي لأسباب التضخم أو هيكل السوق، بل إلى تبسيط مفرط يربط الأزمة بجملة واحدة: "الغلاء سببه أن لدينا ضيوفًا كثيرين". مثل هذا الخطاب يُحوّل الانتباه بعيدًا عن الأسباب الحقيقية للاختلالات الاقتصادية، وينقل إحباط الناس إلى الفئات الأضعف في المجتمع، التي لا تملك لا صوتًا ولا حماية. مثال آخر يتمثل في ما يمكن تسميته "تمجيد الرموز الوطنية". مقاطع فيديو قصيرة تُظهر أطفالًا يرددون النشيد الوطني أو يسيرون في زي رسمي تُقابل بتصريحات ناقدة لسياسات الإنفاق الحكومي. الرسالة الضمنية هنا تقول: من ينتقد ميزانية الدولة هو غير وطني، أو ناكر للجميل. هكذا يُوضع المتلقي أمام خيار زائف: إما أن تؤيد الوطن دون شروط، أو تُعتبر "ضده". وهذه الثنائية المصطنعة تُغلق الباب أمام النقاش العام، وتُحوّل الحوار إلى اختبار ولاء بدلًا من مساءلة مسؤولة. التضليل لا يستثني حتى المجال الصحي. خلال جائحة كورونا، وكذلك في حالات الأمراض الموسمية، انتشرت محتويات تستند إلى ما يُزعم أنه "أبحاث سرية" أو "علماء من الخارج"، تؤكد – ظاهريًا – فعالية مذهلة لمكملات غذائية، أعشاب، أو تقنيات علاجية غير مثبتة. وغالبًا ما كان وراء هذه الرسائل مؤثرون محليون يعرضون في الوقت نفسه هذه المنتجات للبيع. وبهذا تحوّل الخوف وعدم اليقين إلى وسيلة للتربّح التجاري. لكن من يقف وراء هذه السرديات؟ في الواقع، الجهات متنوعة. أحيانًا تكون وسائل إعلام رسمية أو شبه رسمية، تستغل منصاتها الكبيرة لبث رواية معينة. وأحيانًا أخرى يكون المرسل مؤثرًا محليًا يصنع مقاطع قصيرة على تطبيقات مثل تيك توك أو Reels، تستهدف فئة الشباب. وهناك كذلك شبكات أوتوماتيكية تُعرف بـ"بوت نت"، وهي حسابات مزيفة تُستخدم بشكل جماعي لتسجيل الإعجابات والتعليقات والمشاركات، فتخلق انطباعًا زائفًا بأن هناك دعمًا شعبيًا واسعًا لمحتوى معين. وفي بعض الحالات، تكون هناك شركات علاقات عامة أجنبية تعمل خلف الكواليس، تُنفذ حملات مدفوعة تستهدف جمهورًا محددًا برسائل مصممة بعناية. الهدف ليس دائمًا سياسيًا، بل قد يكون اقتصاديًا أو تجاريًا، لكن النتيجة واحدة: توجيه الرأي العام نحو سلوك معين دون أن يعي المتلقي أنه يتعرّض للتأثير. كل هذه الأساليب تشترك في هدف واحد: إثارة رد فعل والتأثير على القرارات – وليس بالضرورة أن تكون قرارات سياسية. أحيانًا يتعلق الأمر باختيار منتج معين، وأحيانًا بالتصويت في الانتخابات، وأحيانًا – وهو الأخطر – بزرع الشك داخل المجتمع لدرجة تجعل الناس يفقدون ثقتهم في المؤسسات، في وسائل الإعلام، بل وفي بعضهم البعض. فعندما يسود الاعتقاد بأن "الجميع يكذب"، تظهر اللامبالاة، ويتراجع دور العقل. وفي هذه اللحظة، لا يعود القرار بيد من يمتلك المعرفة، بل بيد من يصرخ أعلى. فكيف نتحصن؟ البداية تكون بالوعي والتأمل. إذا واجهتنا رسالة إعلامية تثير فينا مشاعر قوية – مثل الغضب أو الخوف أو الإحساس بالظلم – فمن الأفضل أن نتريث قبل أن نشاركها. وإذا كانت الرسالة تفتقر إلى تاريخ نشر، أو مصدر موثوق، أو اسم واضح لكاتبها، فذلك مؤشر على ضرورة التشكيك في مصداقيتها. من المفيد أيضًا مقارنة التغطيات: كيف تعالج وسائل الإعلام الأجنبية أو المستقلة الموضوع نفسه؟ هل تظهر روايات مختلفة؟ هذه المقارنة تكشف كثيرًا مما قد يغيب عن المتلقي. يجب أن ننقل هذه المهارات إلى محيطنا – إلى العائلة والأصدقاء – ونعلّمهم، مثلًا، كيف يمكن التحقق من صحة عنوان خبر عبر كتابته في محرك البحث مع كلمة "خدعة" أو "hoax"، أو كيف نستخدم مواقع التحقق من المعلومات. الأمر لا يتعلق بمجرد مواجهة خبر كاذب بعينه، بل ببناء مناعة فكرية طويلة الأمد. لأن السؤال الحقيقي ليس "من المحق؟"، بل "من يضع إطار النقاش؟". من الذي يحدد موضوع الحديث، ونبرة الخطاب، ومن هو في الداخل ومن هو في الخارج؟ وإذا استطعنا نحن تحديد ذلك، فلن تقدر أي حملة تضليلية – محلية كانت أو أجنبية – على جرّنا إلى معركة لم نخترها بإرادتنا.

في عالمنا اليوم، لم يعد من الضروري استخدام السلاح للفوز بالحروب – يكفي الكلمة. صورة، مقطع فيديو قصير، أو شعار يُعاد تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون له تأثير أقوى من أحدث التقنيات العسكرية. لقد أصبحت الفضاءات الرقمية ساحات معارك جديدة – لا تُخاض على الأرض، بل على وعي الناس وإدراكهم. ولهذا، فإن فهم آليات الدعاية والمعلومات المضللة لم يعد ترفًا يقتصر على المتخصصين، بل هو ضرورة لكل مواطن يريد أن يحتفظ بالسيطرة على ما يفكر فيه، وما يشعر به، وما يشاركه مع الآخرين. هذا النص لا يهدف إلى انتقاد الحكومات أو المؤسسات أو الأفراد. إنما هدفه هو التوعية – توضيح كيف يمكن لأي جهة صاحبة سلطة، سواء كانت دولة أو شركة أو طرفًا خارجيًا، أن تؤثر على الرأي العام من خلال استخدام أدوات السرد والخطاب. فكلما فهمنا هذه الآليات بشكل أعمق، أصبح من الأصعب على أي جهة أن تتحكم فينا أو توجه وعينا دون أن ننتبه. خلال العقد الأخير، تضاعف عدد مستخدمي الإنترنت في مصر أكثر من مرّتين. وهذا لا يعني فقط أن الوصول إلى المعلومات أصبح أسهل، بل يعني أيضًا أن فرص التعرّض للتلاعب أصبحت أكبر. فالمجتمع المتعطش للمعرفة يواجه بشكل متزايد محتوى لا يهدف إلى التثقيف أو الإخبار، بل إلى إثارة المشاعر: الغضب، الخوف، الشك، وأحيانًا الكراهية. فالعاطفة، وليست الحقيقة، هي الوقود الأساسي للدعاية. ولا يوجد فراغ في الفضاء الإعلامي. فإذا عجزت وسائل الإعلام الموثوقة عن مخاطبة الناس بلغة بسيطة ومؤثرة ومفهومة، ستملأ هذا الفراغ جهات أخرى تروي القصص بما يخدم مصالحها – حتى وإن لم تكن تلك القصص صادقة. من يتمكن أولًا من تغليف الحقائق في سردٍ مشوّق، يحصل على الانتباه. وفي العصر الرقمي، الانتباه هو العملة الأغلى ثمناً. من بين النماذج المعروفة التي يستخدمها المتخصصون في دراسة التضليل الإعلامي، يبرز ما يُعرف باسم نموذج “4D”، وهو اختصار لأربعة مصطلحات إنجليزية: “Dismiss” (التشكيك)، “Distort” (التحريف)، “Distract” (الإلهاء)، و”Dismay” (الترهيب). ورغم أن هذه الكلمات قد تبدو غريبة في لفظها، إلا أن ممارساتها مألوفة لنا جميعًا في الحياة اليومية. أولًا، “Dismiss” تعني التقليل من شأن الخصم أو نزع المصداقية عنه، ليس من خلال الرد على حججه، بل عبر نعته بصفات مثل “عميل أجنبي”، أو “خائن”، أو حتى “غير متزن عقليًا”. أما “Distort”، فهي التلاعب بالمعلومات، كعرض الأرقام دون سياقها الحقيقي، أو استخدام صور مجتزأة، أو المزج بين الحقائق وأنصاف الحقائق لتشكيل صورة مضللة. النمط الثالث، “Distract”، يقوم على خلق ضجة إعلامية مفاجئة – كفضيحة شخصية أو حادث مثير – للتغطية على حدث أكثر أهمية سياسيًا أو اقتصاديًا. وأخيرًا، “Dismay” يتمثل في إثارة الخوف لدى الجمهور، عبر رسائل توحي بأن التفاعل مع محتوى معين قد يؤدي إلى المساءلة القانونية أو الاجتماعية. هذه الأدوات الأربع، عند استخدامها معًا أو بشكل متكرر، لا تهدف إلى نقل الحقيقة، بل إلى توجيه المشاعر وصياغة واقع بديل يخدم مصالح من يملك أدوات السرد. نرى تطبيقات عملية لهذه الاستراتيجيات في الحياة اليومية في مصر. في السنوات الأخيرة، ازدادت السرديات التي تربط بين المشاكل الاقتصادية – مثل ارتفاع الأسعار – وبين وجود المهاجرين أو اللاجئين. هذا النوع من الخطاب لا يستند إلى تحليل علمي لأسباب التضخم أو هيكل السوق، بل إلى تبسيط مفرط يربط الأزمة بجملة واحدة: “الغلاء سببه أن لدينا ضيوفًا كثيرين”. مثل هذا الخطاب يُحوّل الانتباه بعيدًا عن الأسباب الحقيقية للاختلالات الاقتصادية، وينقل إحباط الناس إلى الفئات الأضعف في المجتمع، التي لا تملك لا صوتًا ولا حماية. مثال آخر يتمثل في ما يمكن تسميته “تمجيد الرموز الوطنية”. مقاطع فيديو قصيرة تُظهر أطفالًا يرددون النشيد الوطني أو يسيرون في زي رسمي تُقابل بتصريحات ناقدة لسياسات الإنفاق الحكومي. الرسالة الضمنية هنا تقول: من ينتقد ميزانية الدولة هو غير وطني، أو ناكر للجميل. هكذا يُوضع المتلقي أمام خيار زائف: إما أن تؤيد الوطن دون شروط، أو تُعتبر “ضده”. وهذه الثنائية المصطنعة تُغلق الباب أمام النقاش العام، وتُحوّل الحوار إلى اختبار ولاء بدلًا من مساءلة مسؤولة. التضليل لا يستثني حتى المجال الصحي. خلال جائحة كورونا، وكذلك في حالات الأمراض الموسمية، انتشرت محتويات تستند إلى ما يُزعم أنه “أبحاث سرية” أو “علماء من الخارج”، تؤكد – ظاهريًا – فعالية مذهلة لمكملات غذائية، أعشاب، أو تقنيات علاجية غير مثبتة. وغالبًا ما كان وراء هذه الرسائل مؤثرون محليون يعرضون في الوقت نفسه هذه المنتجات للبيع. وبهذا تحوّل الخوف وعدم اليقين إلى وسيلة للتربّح التجاري. لكن من يقف وراء هذه السرديات؟ في الواقع، الجهات متنوعة. أحيانًا تكون وسائل إعلام رسمية أو شبه رسمية، تستغل منصاتها الكبيرة لبث رواية معينة. وأحيانًا أخرى يكون المرسل مؤثرًا محليًا يصنع مقاطع قصيرة على تطبيقات مثل تيك توك أو Reels، تستهدف فئة الشباب. وهناك كذلك شبكات أوتوماتيكية تُعرف بـ”بوت نت”، وهي حسابات مزيفة تُستخدم بشكل جماعي لتسجيل الإعجابات والتعليقات والمشاركات، فتخلق انطباعًا زائفًا بأن هناك دعمًا شعبيًا واسعًا لمحتوى معين. وفي بعض الحالات، تكون هناك شركات علاقات عامة أجنبية تعمل خلف الكواليس، تُنفذ حملات مدفوعة تستهدف جمهورًا محددًا برسائل مصممة بعناية. الهدف ليس دائمًا سياسيًا، بل قد يكون اقتصاديًا أو تجاريًا، لكن النتيجة واحدة: توجيه الرأي العام نحو سلوك معين دون أن يعي المتلقي أنه يتعرّض للتأثير. كل هذه الأساليب تشترك في هدف واحد: إثارة رد فعل والتأثير على القرارات – وليس بالضرورة أن تكون قرارات سياسية. أحيانًا يتعلق الأمر باختيار منتج معين، وأحيانًا بالتصويت في الانتخابات، وأحيانًا – وهو الأخطر – بزرع الشك داخل المجتمع لدرجة تجعل الناس يفقدون ثقتهم في المؤسسات، في وسائل الإعلام، بل وفي بعضهم البعض. فعندما يسود الاعتقاد بأن “الجميع يكذب”، تظهر اللامبالاة، ويتراجع دور العقل. وفي هذه اللحظة، لا يعود القرار بيد من يمتلك المعرفة، بل بيد من يصرخ أعلى. فكيف نتحصن؟ البداية تكون بالوعي والتأمل. إذا واجهتنا رسالة إعلامية تثير فينا مشاعر قوية – مثل الغضب أو الخوف أو الإحساس بالظلم – فمن الأفضل أن نتريث قبل أن نشاركها. وإذا كانت الرسالة تفتقر إلى تاريخ نشر، أو مصدر موثوق، أو اسم واضح لكاتبها، فذلك مؤشر على ضرورة التشكيك في مصداقيتها. من المفيد أيضًا مقارنة التغطيات: كيف تعالج وسائل الإعلام الأجنبية أو المستقلة الموضوع نفسه؟ هل تظهر روايات مختلفة؟ هذه المقارنة تكشف كثيرًا مما قد يغيب عن المتلقي. يجب أن ننقل هذه المهارات إلى محيطنا – إلى العائلة والأصدقاء – ونعلّمهم، مثلًا، كيف يمكن التحقق من صحة عنوان خبر عبر كتابته في محرك البحث مع كلمة “خدعة” أو “hoax”، أو كيف نستخدم مواقع التحقق من المعلومات. الأمر لا يتعلق بمجرد مواجهة خبر كاذب بعينه، بل ببناء مناعة فكرية طويلة الأمد. لأن السؤال الحقيقي ليس “من المحق؟”، بل “من

لماذا تشوّه روسيا صورة بولندا في العالم العربي؟ تحليل لفيلم دعائي بعنوان “صراعٌ منذ ألف عام”

لماذا تشوّه روسيا صورة بولندا في العالم العربي؟ تحليل لفيلم دعائي بعنوان “صراعٌ منذ ألف عام” التاريخ كسلاح للتأثير لماذا تروي روسيا للعرب قصة “صراعٍ يمتد لألف عام” مع بولندا؟ ولماذا تُصوِّر بولندا على أنها عدو ومعتدٍ، رغم أنها لم تهاجم أوكرانيا، ولم تشعل الحرب في أوروبا؟ الفيلم الذي أنتجته قناة روسيا اليوم تحت عنوان “روسيا – بولندا: صراعٌ منذ ألف عام” ليس وثائقيًا عاديًا، بل هو أداة دعائية تهدف إلى إقناع المشاهد العربي بأن بولندا حليفة للغرب، وأنها منذ قرون تكره روسيا وثقافتها. لكن، هل هذه الرواية صحيحة فعلًا؟ هل كان الروس والبولنديون جيرانًا وأعداءً طوال ألف عام؟ وهل يمكن الوثوق برؤيةٍ للتاريخ لا تترك مجالًا للحوار أو التعايش أو تعقيد الأحداث؟ أم أننا أمام حملةٍ إعلامية جديدة، تعتمد على أسلوب قديم بقدر قِدم التاريخ نفسه: رواية قصة الآخر بطريقة تخدم رؤيتك أنت للعالم؟ هذا المقال يُظهِر كيف تستخدم روسيا التاريخ كسلاحٍ معلوماتي في الفضاء العربي، وما هي الأساليب التي تعتمدها، وما هي المشاعر التي تسعى لإثارتها — والأهم من ذلك: لماذا تستهدف المتلقّي العربي تحديدًا؟ فالبروباغندا لا تعترف بالحدود، لكن إدراك أين تبدأ المغالطة هو الخطوة الأولى لحماية وعينا. ١. رواية زائفة عن “صراعٍ منذ ألف عام” الفيلم ليس سردًا عن الماضي، بل هو رؤية للمستقبل كما تتمنّى روسيا أن يراه الآخرون. حتى العنوان وحده — “صراعٌ منذ ألف عام” — يحمل رسالة خفية: أن الحرب قدر محتوم، وأن العداء بين البولنديين والروس قديم قدم الزمن، وأن السلام ليس إلا استراحة بين جولاتٍ من الصراع. لكن ذلك غير صحيح. فروسيا بشكلها الحالي ليست موجودة منذ ألف عام. “كييف روس” — التي يصوّرها الفيلم على أنها مهد روسيا — لم تكن موسكو. قول ذلك يشبه تمامًا الادعاء بأن إيران اليوم هي نفسها بلاد ما بين النهرين. من منظورٍ تاريخي، هذا خطأ جوهري. فموسكو ككيان سياسي مستقل لم تظهر إلا في القرن الرابع عشر، أما العلاقات المنتظمة — سواء السلمية أو العدائية — بينها وبين بولندا، فقد بدأت في وقتٍ لاحق بعد ذلك. فلماذا إذًا يروي الفيلم الروسي قصةً لم تحدث كما يعرضها؟ لأن الهدف ليس سرد التاريخ، بل إثارة المشاعر. الهدف هو إقناع المشاهد بأن بولندا عدوٌّ أبدي — كانت كذلك وستبقى كذلك. أن الصراع معها ليس خيارًا سياسيًا، بل قدر لا مفرّ منه. يريدون للمشاهد أن يتوقف عن التفكير بإمكانية التغيير، وأن يقتنع بأن بولندا — بصفتها عضوًا في الناتو — لا تتحرّك بدافع الحكمة أو المصالح، بل بدافع الحقد والكراهية. بالنسبة للمشاهد العربي، فهذه لغة مألوفة. فالقادة الاستعماريون قالوا الشيء نفسه: أن الشرق والغرب عدوان تقليديان منذ الأزل. وأن الحروب الدينية بدأت مع الحملات الصليبية ولم تنتهِ. وأن البعض يسعى للحرية، بينما الآخرون يريدون الهيمنة والسيطرة. الخطاب هو نفسه — لكن الأبطال تغيّروا. ٢. كيف تعمل السردية الروسية؟ الدعاية الروسية في هذا الفيلم تعمل كأنها قصة خرافية محبوكة بإتقان. فيها أبطال طيبون وأشرار. فيها ضحية — وهي روسيا، ومعتدٍ — وهي بولندا. فيها أطفال يدافعون عن التماثيل، ومعلمون يكذبون، وجيران خونة، وتحالفات إجرامية. كل هذه العناصر تؤدي إلى رسالة واحدة: روسيا تقاتل من أجل البقاء، وبولندا ليست سوى أداة في يد الغرب. يستخدم الفيلم تقنيات تأثير معروفة جيدًا: التضليل التاريخي – خلط الحقائق بنصف الحقائق، مثل تصوير بولندا على أنها حليفة للنازيين، وتجاهل فترات التعاون السابقة. • اللعب على مشاعر الخوف والذنب – الإيحاء بأن بولندا تسعى لتدمير كل ما هو روسي، وأن الغرب يساعدها على ذلك. • توظيف الدين والثقافة لأهداف سياسية – الادعاء بأن بولندا تكره الأرثوذكسية، وأن روسيا هي المدافع عنها. • الضحايا والأطفال – استخدام الرموز الأخلاقية لإثارة التعاطف مع روسيا. وبهذه الطريقة، لا يحتاج الفيلم إلى إقناع المشاهد بالحقائق — فهو يقنعه بالعاطفة. ٣. لماذا توجّه روسيا هذا الخطاب إلى العرب؟ الإجابة بسيطة: لأن العالم العربي يحمل جراحًا عميقة من الاستعمار، والحروب الإعلامية، وهيمنة الغرب. روسيا تحاول أن تُقدّم نفسها كـمدافعٍ عن القيم التقليدية، والدين، والاستقلال، وفي المقابل، تصوّر بولندا على أنها خادمةٌ للغرب وخاضعة لنفوذه. في نظر المشاهد غير المُطّلع، قد تبدو بولندا دولة عدوانية، معادية لروسيا، وتعمل لخدمة مصالح أمريكا وحلف الناتو. هذا التصوّر يُشكّل خطرًا على علاقات بولندا مع الدول العربية، لكنه يُهدّد أيضًا وعي المجتمعات العربية، لأن من يُصدّق هذه الرواية، سيصبح — دون أن يدري — حليفًا غير مباشر للدعاية المضلِّلة. ٤. ماذا يعني ذلك للمشاهدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ إذا قبلنا هذه الرواية التاريخية، فسنبدأ بالتفكير بمنطق: “هم ضدّنا”. لكنّ الحقيقة أن العالم أكثر تعقيدًا من حكايةٍ ثنائية الألوان في فيلم دعائي. البولنديون ليسوا أعداءً للعرب. فبولندا كانت بلدًا متعدد الثقافات عبر قرون، ولديها تاريخ طويل من العلاقات مع الشرق الأوسط، واليوم هي موطنٌ لآلاف المسلمين الذين يدرسون ويعملون فيها بكرامة وحرية. ولكن إذا انتصرت الروايات الدعائية، فستُقيم جدارًا من الشك وعدم الثقة. وهذا بالضبط ما تريده الكرملين: أن تُفرّق، لا أن تُوحّد. ٥. كيف نحمي أنفسنا؟ توصيات للمُتلقي العربي ١. تحقّق من المصدر – إذا كان الفيلم من إنتاج وسيلة إعلام تابعة للدولة، تعامل معه بحذر ووعي. ٢. ابحث عن السياق – لا تحكم على التاريخ من خلال رواية واحدة فقط. اسأل نفسك: ما الذي تم تجاهله؟ ٣. انتبه لمشاعرك – إذا شعرت بالغضب أو الاشمئزاز أو الإهانة أثناء المشاهدة، فربما يحاول أحدهم التلاعب بمشاعرك. ٤. افهم الهدف – اسأل: لماذا يعرضون عليّ هذا الفيلم؟ ما الذي يريدونني أن أعتقده عن بولندا؟ عن الناتو؟ عن الحرب؟ ٥. لا تدعهم يختارون لك موقعك – الدعاية تريد منك أن تنحاز في الصراع، دون أن تعرف الخلفيات الحقيقية. لا تنجرف دون وعي. فالمعلومات المضلِّلة لا تعترف بالحدود، لكنّنا — كمُتلقيّن — نملك الحق في أن نعرف: من الذي يروي القصة؟ ولماذا؟ لأنّ الفهم هو الخطوة الأولى نحو الحرية. ———– A public task financed by the Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Poland within the frame of “Public Diplomacy 2024-2025: The European Dimension and Countering Disinformation” contest The publication expresses only the views of the author and cannot be identified with the official position of the Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Poland.  

رسائل كوتراشيف حول الشرق الأوسط تنهار تحت وطأة الأسئلة الملحة

خلال مقابلة مباشرة على قناة الشرقية العراقية، واجه السفير الروسي في العراق، إلبروس كوتراشيف، صعوبة في الرد على الأسئلة الصعبة، حيث كان يتجنب في كثير من الأحيان تقديم إجابات واضحة أو يلجأ إلى تصريحات بدت وكأنها تستخف بذكاء الجمهور. وبحكم اعتياده على معاملة إعلامية أكثر ودية، حاول كوتراشيف تقويض مكانة الصحفي حسام علي من خلال وصفه بـ "صديق روسيا"، في إشارة إلى أن ذلك قد يجعله تحت مراقبة أمريكية. غير أن الصحفي رفض هذا التلميح، مؤكداً التزامه بالحفاظ على نهج متوازن وحيادي مع جميع الضيوف. نفي التورط في دائرة الأسد المقربة بدأت المقابلة بأسئلة حول سوريا وزعيمها المعزول بشار الأسد. وعندما سُئل عن محاولة مزعومة لتسميم الأسد في موسكو، أجاب كوتراشيف بأنه "لا يعلم شيئًا عن ذلك"، وادعى أنه لو حدث ذلك بالفعل، لكان "من شبه المؤكد" على علم به. وعندما تم استجوابه حول ما إذا كانت السفارة الروسية في العراق قد ساعدت شقيق الأسد، ماهر الأسد، على مغادرة البلاد، رد كوتراشيف بسخرية قائلاً: "أليس لديه أصدقاء آخرون في العراق؟". ثم أضاف أن مثل هذه المساعدة كانت ستكون مستحيلة لأنها تتعارض مع البروتوكولات الدبلوماسية. كما صرح كوتراشيف بأن السفارة الروسية محمية من قبل القوات الأمنية العراقية وتخضع للمراقبة المستمرة من قبل الطائرات الأمريكية بدون طيار وأجهزة الاستخبارات البريطانية. في الوقت نفسه، زعم كوتراشيف أن روسيا لا تقوم بأي عمليات مراقبة في العراق لأنها تفتقر إلى القدرات التكنولوجية، مثل الطائرات بدون طيار، ولأن روسيا - بحسب قوله - "لا تصفي حساباتها مع دول أخرى" على الأراضي العراقية، على عكس الولايات المتحدة التي اتهمها بأنها "تجمع معلومات عن مختلف السياسيين". ومع ذلك، رفض كوتراشيف توضيح نوعية المعلومات التي يُزعم أنه يتم جمعها أو عن من يتم جمعها، مما أثار تساؤلات حول كيفية امتلاكه لمثل هذه المعرفة إذا كانت المخابرات الروسية - بحسب ادعائه - لا تنفذ أي أنشطة في العراق. وقد سلط هذا التبادل الضوء على التناقضات في تصريحات كوتراشيف، حيث واصل الصحفي الضغط عليه، مما أجبر السفير على التهرب من الإجابات أو التقليل من أهمية الموضوع. وفي نهاية المطاف، وعندما سُئل مرة أخرى عن ماهر الأسد، صرح كوتراشيف بأن السفارة لم يكن لها أي اتصال به، وأنه لا يعلم ما إذا كان ماهر موجودًا حاليًا في موسكو. بوصلة أخلاقية انتقائية: الأسد مقابل تسوركوف عندما سُئل عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع السلطات الجديدة في سوريا بشأن تسليم بشار الأسد، صرح كوتراشيف بأن روسيا "لا تشارك في صفقات غير أخلاقية". وقد جاءت هذه التصريحات على النقيض تمامًا من رده لاحقًا بشأن عدم تحرك روسيا في قضية إليزابيث تسوركوف، الصحفية الإسرائيلية التي تحمل الجنسية الروسية، والتي اختُطفت في مارس 2023 في العراق على يد جماعات مسلحة تُعرف بـ"المقاومة" — وهي ميليشيات شيعية مرتبطة بإيران، تحظى بدعم من روسيا، ويُقال إن كوتراشيف يحتفظ بعلاقات وثيقة معها. برر كوتراشيف عدم اتخاذ روسيا أي إجراء بالقول إن بلاده لم تتلقَ أي إخطار رسمي وخطي بشأن اختطافها. ويُفهم من هذا التصريح أن كوتراشيف يعتبر، على ما يبدو، أن تسليم ديكتاتور مسؤول عن قتل جماعي لشعبه هو أمر "غير أخلاقي"، بينما يعتبر أن التحرك لحماية مواطنة روسية مختطفة هو أمر "مستحيل" دون مستندات رسمية. وفي هذا السياق، يبدو أن ادعاء كوتراشيف السابق بأن روسيا تضع سمعتها الدولية على رأس أولوياتها هو ادعاء ساخر وغير صادق إلى حد بعيد. احتضان روسيا لـ "المقاومة" وإرثها الاستعماري أما بالنسبة لـ "المقاومة" نفسها (وهي كلمة تعني "المقاومة" بالعربية)، فقد زعم كوتراشيف أن روسيا لا تدعم "المقاومة" كمنظمة، بل تدعم فكرة "المقاومة" بشكل عام، والتي وصفها بأنها "في روحنا ودمنا". وأكد كذلك قائلاً: "منذ أيام الاتحاد السوفيتي، كنا ندعم المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار والإمبريالية. لقد لعبنا دورًا رئيسيًا في انهيار الاستعمار. ونحن الآن نواصل نفس الجهود ضد الاستعمار الجديد." ومع ذلك، فإن مثل هذه التصريحات تتناقض بشكل صارخ مع الواقع التاريخي. فلا تزال روسيا واحدة من آخر الإمبراطوريات الاستعمارية التي تحتفظ بهذه الهوية وتتبناها علنًا، كما يظهر بوضوح في وسائل الإعلام الحكومية الروسية والخطاب السياسي الرسمي. فطوال القرن التاسع عشر، ولاحقًا تحت حكم الاتحاد السوفيتي في القرن العشرين، وسعت روسيا حدودها من خلال غزو العديد من الشعوب والدول، واستعمارها من خلال توطين الروس الإثنيين فيها. كما أن الاتحاد السوفيتي احتل تقريبًا جميع دول أوروبا الوسطى لمدة تزيد عن 45 عامًا. إن ادعاء كوتراشيف بأن "روسيا لم تكن قوة استعمارية في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر"، وبأن "كلما دخلنا إلى بلد ما، فإننا نقيم علاقات متكافئة"، هو تصوير مشوه للواقع، ويُعد نموذجًا معتادًا من أساليب الدعاية التي يعتمدها. تبرير الهجمات على القواعد الأمريكية باعتبارها "مقاومة" تعكس ردود كوتراشيف المراوغة على الأسئلة المتعلقة بدعم "المقاومة" رغبة روسيا في الحفاظ على علاقاتها مع هذه الجماعات دون أن تعلن صراحة تأييدها للهجمات التي تشنها على القواعد الأمريكية في العراق — وهي القواعد التي تعمل بتفويض رسمي من الحكومة العراقية. وفي الوقت ذاته، رفض كوتراشيف أي مقارنة بين الوجود العسكري الأمريكي في العراق ووجود روسيا في سوريا، واصفًا الأول بأنه "احتلال". وقد كان هذا تلاعبًا متعمدًا بالوقائع، حيث أن القوات الأمريكية التي دخلت العراق في عام 2003 انسحبت في عام 2011، منهية بذلك رسميًا فترة الاحتلال. أما الوجود العسكري الأمريكي الحالي، فهو قائم بناءً على طلب الحكومة العراقية في عام 2014 لتقديم المساعدة الدولية في محاربة تنظيم داعش. تبرير الهجمات على المنشآت الأمريكية باعتبارها أعمال مقاومة مشروعة ورغم ذلك، سمحت هذه الرواية لكوتراشيف بتبرير هجمات "المقاومة" على المنشآت الأمريكية باعتبارها أعمال مقاومة مشروعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وادعى كذلك أن رد روسيا على الضربات الجوية الأمريكية ضد جماعات "المقاومة" هو أن "150 مليون روسي يصلون" من أجل مقاتليها. كما ألمح كوتراشيف إلى أن روسيا ستُبدي تضامنًا مماثلًا إذا تعرضت إيران لهجوم. وفي سياق التطورات في سوريا، سُئل كوتراشيف أيضًا عن سبب ظهور روسيا وكأنها تتخلى عن شركائها القدامى مثل بشار الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق. وقد رفض السفير الروسي هذا الاتهام بشدة، مدعيًا أن سقوط الأسد كان نتيجة "الديناميكيات الداخلية السورية". وأضاف قائلاً: "كانت روسيا آخر من نفذ ضربات جوية ضد قوات المعارضة في إدلب". ومع ذلك، وعندما سُئل عن نقل المعدات العسكرية الروسية الثقيلة من سوريا إلى ليبيا، صرح كوتراشيف بأن هذه المعدات كانت مطلوبة في ليبيا بسبب القتال المستمر هناك والحاجة إلى استهداف الإرهابيين. وقد تناقض هذا الرد بشكل مباشر مع زعمه السابق بأن روسيا قد أنهت بالفعل عملياتها العسكرية في سوريا. وأضاف كوتراشيف أن روسيا لم تعد لديها أي أهداف عسكرية في سوريا لأنه، بحسب قوله، لم يعد هناك حرب دائرة، وأن الجماعات التي كانت تستهدفها القوات الروسية أصبحت الآن جزءًا من الحكومة السورية. كما رفض فكرة أن هذا يمثل فشلًا لروسيا، مؤكدًا أن سوريا شهدت العديد من تغييرات الأنظمة في الماضي، وأن روسيا كانت دائمًا قادرة على بناء علاقات مع الحكومات المتعاقبة. وأضاف قائلاً: "علاقاتنا ليست فقط مع الأنظمة، بل أولًا وقبل كل شيء مع الشعوب، لذلك فإن سقوط أي نظام لا يغير موقفنا تجاه أي بلد". ومن اللافت أن كوتراشيف لم يوضح ما إذا كان يقصد بـ "الشعوب" أولئك الذين كانت روسيا قد قصفتهم لسنوات، ووصفتهم بالإرهابيين، قبل أن تعترف بهم لاحقًا كشركاء شرعيين بمجرد أن تولوا السلطة. المطالبة بالنصر على داعش مع تجنب المشاركة الحقيقية في هذا السياق، سُئل كوتراشيف أيضًا عن دور روسيا في مكافحة الوجود المستمر لداعش في سوريا. وقد أجاب بأنه، في الوقت الحالي، لم يطلب أحد رسميًا مساعدة روسيا. ومع ذلك، أصر على أن روسيا كانت تحارب داعش "بكل ما لديها من قوة" وادعى أن الفضل في هزيمة داعش في سوريا يعود إلى روسيا. في الواقع، ومع ذلك، تم هزيمة داعش إلى حد كبير على يد قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، وهو تحالف تهيمن عليه القوات الكردية وبدعم من الولايات المتحدة – وليس من قبل روسيا. وأكد كوتراشيف كذلك أنه، في العراق، كانت الحرب ضد داعش ستستمر لفترة أطول بكثير لولا تدخل روسيا. كما جادل بأن التصور السائد بأن الضربات الجوية الأمريكية وضربات التحالف كانت حاسمة في هزيمة داعش هو نتيجة لكون الناس "يستمعون إلى وسائل الإعلام الأمريكية بدلاً من وسائل الإعلام الروسية." وأضاف كوتراشيف أن روسيا ليست جزءًا من التحالف الدولي ضد داعش لأنها، بحسب قوله، "لم تُدْعَ للمشاركة." عند النظر إلى هذه التصريحات مجتمعة، بدا أنها تهدف إلى تصوير روسيا كجهة مهمشة تم استبعادها بشكل غير عادل من قبل المجتمع الدولي – مما يصورها كضحية للسياسة العالمية. كما تهرب السفير الروسي من الإجابة على السؤال المتعلق بالموقف الرسمي لروسيا من الزعيم السوري الجديد، أحمد الشّرة. ويبدو أن هذا التهرب يعكس محاولة روسيا لتحقيق توازن بين مصلحتين متعارضتين: فمن جهة، الحفاظ على علاقات بناءة مع القيادة السورية الجديدة، ومن جهة أخرى، الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع "المقاومة"، التي تعتبر الشّرة إرهابيًا. يُعد هذا التوازن الدبلوماسي مثالًا آخر على السياسة الخارجية الروسية المتناقضة والانتهازية، والتي تكاد تلامس حد النفاق. كما تهرب كوتراشيف من الإجابة على الأسئلة المتعلقة بصدام حسين، حيث أن روسيا كانت قد دعمته حتى النهاية، وتم تنفيذ حكم إعدامه على يد نفس الفصائل الشيعية التي تسعى روسيا اليوم إلى التعامل معها كشركاء لتوسيع نفوذها في العراق. في الوقت نفسه، لا تريد روسيا أن تنفّر الجمهور العربي الكبير – سواء في العراق أو خارجه – الذي لا يزال يرى في صدام بطلاً وشهيدًا. وفي النهاية، أجاب كوتراشيف بأن هناك جوانب إيجابية وسلبية في هذه القضية، لكنها حدثت منذ زمن بعيد ومن الأفضل تركها في الماضي. وأضاف أن المصالحة الوطنية أهم من السعي وراء العقاب. وقال: "أنا صديق للعراق"، وأضاف: "ولا أريد أن تسيء كلماتي إلى أصدقائي العراقيين. أنا أتجنب التعليق على بعض القضايا لأنها حساسة بالنسبة للعراقيين." ومن خلال ذلك، اعترف كوتراشيف فعليًا بأن روسيا تقدم رسائل متناقضة، يتم صياغتها بعناية لتناسب جماهير مختلفة. ومع ذلك، وعندما يُطلب منها تقديم موقف واضح، تختار روسيا التهرب من القضية. ويُعد هذا النوع من المناورات الدبلوماسية أقرب ما يكون إلى النفاق، مما يجعل من الضروري بشكل أكبر أن يتم التدقيق في مثل هذه الأساليب وكشفها بوضوح. الترجمة إلى العربية: التقليل من أهمية العلاقات الاستراتيجية مع إيران والصين نفى كوتراشيف أيضًا وجود تحالف بين روسيا وإيران والصين. وأكد أن مجموعة بريكس ليست تحالفًا عسكريًا أو سياسيًا، بل هي مجموعة من الدول التي تتشارك في المصالح الاقتصادية – وهو أمر صحيح من الناحية الواقعية. وادعى أيضًا أن روسيا لا تحتفظ بـ "مجال نفوذ" في الشرق الأوسط، واصفًا هذا المفهوم بأنه مفهوم إمبريالي يُفترض أنه غريب عن السياسة الروسية. ووصف كوتراشيف "الشراكة الاستراتيجية" التي تم توقيعها مع إيران في يناير 2025 بأنها رسالة قوية للمجتمع الدولي. ومع ذلك، وكما أشار الصحفي حسام علي، فإن الاتفاقية تنص فقط على أن روسيا لن تساعد الدول التي تهاجم إيران، بدلاً من تقديم أي التزام مباشر بالدفاع عن إيران في حال تعرضت لهجوم عسكري. عند سؤاله عن سبب عدم توقيع روسيا اتفاقية مماثلة مع العراق، صوّر كوتراشيف مرة أخرى روسيا على أنها ضحية للهيمنة الأمريكية، مدعيًا أن الولايات المتحدة قد قامت، على حد زعمه، بمنع مثل هذه الشراكة. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت روسيا تدعم "محور المقاومة" الموالي لإيران – الذي يضم حزب الله وحماس والحوثيين – تهرب كوتراشيف مرة أخرى من تقديم إجابة واضحة، مشيرًا إلى أن روسيا تدعم بشكل عام "فكرة المقاومة". وأضاف مع ذلك أن روسيا لا تدعم الهجمات على إسرائيل، مستشهدًا بوجود مليون إسرائيلي من أصل روسي كسبب لهذا الموقف. الترجمة إلى العربية: تلميع العدوان الروسي في أوكرانيا عكست تصريحات كوتراشيف حول أوكرانيا أنماطًا مألوفة من الخطاب الروسي. وردًا على اقتباس من الإيديولوجي الروسي ألكسندر دوغين، الذي استشهد به حسام علي، والذي يشير إلى أن "أوكرانيا هي طريق إلى اتفاق حول مناطق النفوذ"، رفض كوتراشيف الفكرة واصفًا إياها بأنها "مفهوم غربي وإمبريالي"، مدعيًا أن "هذا ليس أسلوب تفكيرنا". وصرح كوتراشيف أن روسيا تريد لأوكرانيا أن تبقى دولة موحدة ومحايدة تعمل كمنطقة عازلة بين الناتو وروسيا، وأن روسيا "لن تسمح بتقسيم أوكرانيا". وعندما سأله حسام علي عما إذا كان ضم روسيا للأراضي الأوكرانية يشكل تقسيمًا للبلاد، جادل كوتراشيف بأن ذلك لا يُعد تقسيمًا، لأن تلك الأراضي تُعتبر الآن جزءًا من روسيا بموجب الدستور الروسي. ثم واصل الصحفي تحديه، سائلاً عما إذا كان من الممكن، بنفس الطريقة، إعلان كييف جزءًا من روسيا، وهل يمكن أن تسعى روسيا للسيطرة عليها. أجاب كوتراشيف مدعيًا أن روسيا كانت لديها الفرصة لدخول كييف مرتين، في عام 2015 وعام 2022، لكنها "لم تكن تريد شن غزو"، لأنها، حسب زعمه، لا ترغب "في انهيار أوكرانيا كدولة مستقلة". واصل كوتراشيف حجته قائلاً إن مشكلة روسيا ليست ما إذا كان الرئيس زيلينسكي aligned مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو إسرائيل (والتي تم ذكرها على الأرجح لإثارة المشاعر المعادية لإسرائيل بين المشاهدين العراقيين، رغم أن إسرائيل لا تقدم دعمًا كبيرًا لأوكرانيا)، بل المشكلة، بحسب كوتراشيف، هي أن "زيلينسكي تم انتخابه في انتخابات ديمقراطية بعد أن وعد بالتطبيع مع روسيا، ثم أصبح لاحقًا عدوًا لها". تجسد هذه التصريحات السردية المتناقضة والمضللة التي تتبناها روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا. فالادعاء بأن احتلال أجزاء من أوكرانيا لا ينتهك سلامتها الإقليمية – لمجرد أن روسيا أعلنت من جانب واحد أن تلك الأراضي أصبحت تابعة لها – يعكس منطقًا إمبرياليًا يتجاهل القانون الدولي وسيادة الدول الأخرى. علاوة على ذلك، فإن الإيحاء بأن روسيا لم تكن تنوي احتلال كييف يتناقض مع واقع غزو عام 2022، الذي تقدمت خلاله القوات الروسية نحو العاصمة الأوكرانية لكنها في النهاية تم صدها. وتقوض مثل هذه الادعاءات مصداقية السردية التي يروج لها السفير الروسي.

خلال مقابلة مباشرة على قناة الشرقية العراقية، واجه السفير الروسي في العراق، إلبروس كوتراشيف، صعوبة في الرد على الأسئلة الصعبة، حيث كان يتجنب في كثير من الأحيان تقديم إجابات واضحة أو يلجأ إلى تصريحات بدت وكأنها تستخف بذكاء الجمهور. وبحكم اعتياده على معاملة إعلامية أكثر ودية، حاول كوتراشيف تقويض مكانة الصحفي حسام علي من خلال وصفه بـ “صديق روسيا”، في إشارة إلى أن ذلك قد يجعله تحت مراقبة أمريكية. غير أن الصحفي رفض هذا التلميح، مؤكداً التزامه بالحفاظ على نهج متوازن وحيادي مع جميع الضيوف. نفي التورط في دائرة الأسد المقربة بدأت المقابلة بأسئلة حول سوريا وزعيمها المعزول بشار الأسد. وعندما سُئل عن محاولة مزعومة لتسميم الأسد في موسكو، أجاب كوتراشيف بأنه “لا يعلم شيئًا عن ذلك”، وادعى أنه لو حدث ذلك بالفعل، لكان “من شبه المؤكد” على علم به. وعندما تم استجوابه حول ما إذا كانت السفارة الروسية في العراق قد ساعدت شقيق الأسد، ماهر الأسد، على مغادرة البلاد، رد كوتراشيف بسخرية قائلاً: “أليس لديه أصدقاء آخرون في العراق؟”. ثم أضاف أن مثل هذه المساعدة كانت ستكون مستحيلة لأنها تتعارض مع البروتوكولات الدبلوماسية. كما صرح كوتراشيف بأن السفارة الروسية محمية من قبل القوات الأمنية العراقية وتخضع للمراقبة المستمرة من قبل الطائرات الأمريكية بدون طيار وأجهزة الاستخبارات البريطانية. في الوقت نفسه، زعم كوتراشيف أن روسيا لا تقوم بأي عمليات مراقبة في العراق لأنها تفتقر إلى القدرات التكنولوجية، مثل الطائرات بدون طيار، ولأن روسيا – بحسب قوله – “لا تصفي حساباتها مع دول أخرى” على الأراضي العراقية، على عكس الولايات المتحدة التي اتهمها بأنها “تجمع معلومات عن مختلف السياسيين”. ومع ذلك، رفض كوتراشيف توضيح نوعية المعلومات التي يُزعم أنه يتم جمعها أو عن من يتم جمعها، مما أثار تساؤلات حول كيفية امتلاكه لمثل هذه المعرفة إذا كانت المخابرات الروسية – بحسب ادعائه – لا تنفذ أي أنشطة في العراق. وقد سلط هذا التبادل الضوء على التناقضات في تصريحات كوتراشيف، حيث واصل الصحفي الضغط عليه، مما أجبر السفير على التهرب من الإجابات أو التقليل من أهمية الموضوع. وفي نهاية المطاف، وعندما سُئل مرة أخرى عن ماهر الأسد، صرح كوتراشيف بأن السفارة لم يكن لها أي اتصال به، وأنه لا يعلم ما إذا كان ماهر موجودًا حاليًا في موسكو. بوصلة أخلاقية انتقائية: الأسد مقابل تسوركوف عندما سُئل عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع السلطات الجديدة في سوريا بشأن تسليم بشار الأسد، صرح كوتراشيف بأن روسيا “لا تشارك في صفقات غير أخلاقية”. وقد جاءت هذه التصريحات على النقيض تمامًا من رده لاحقًا بشأن عدم تحرك روسيا في قضية إليزابيث تسوركوف، الصحفية الإسرائيلية التي تحمل الجنسية الروسية، والتي اختُطفت في مارس 2023 في العراق على يد جماعات مسلحة تُعرف بـ”المقاومة” — وهي ميليشيات شيعية مرتبطة بإيران، تحظى بدعم من روسيا، ويُقال إن كوتراشيف يحتفظ بعلاقات وثيقة معها. برر كوتراشيف عدم اتخاذ روسيا أي إجراء بالقول إن بلاده لم تتلقَ أي إخطار رسمي وخطي بشأن اختطافها. ويُفهم من هذا التصريح أن كوتراشيف يعتبر، على ما يبدو، أن تسليم ديكتاتور مسؤول عن قتل جماعي لشعبه هو أمر “غير أخلاقي”، بينما يعتبر أن التحرك لحماية مواطنة روسية مختطفة هو أمر “مستحيل” دون مستندات رسمية. وفي هذا السياق، يبدو أن ادعاء كوتراشيف السابق بأن روسيا تضع سمعتها الدولية على رأس أولوياتها هو ادعاء ساخر وغير صادق إلى حد بعيد. احتضان روسيا لـ “المقاومة” وإرثها الاستعماري أما بالنسبة لـ “المقاومة” نفسها (وهي كلمة تعني “المقاومة” بالعربية)، فقد زعم كوتراشيف أن روسيا لا تدعم “المقاومة” كمنظمة، بل تدعم فكرة “المقاومة” بشكل عام، والتي وصفها بأنها “في روحنا ودمنا”. وأكد كذلك قائلاً: “منذ أيام الاتحاد السوفيتي، كنا ندعم المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار والإمبريالية. لقد لعبنا دورًا رئيسيًا في انهيار الاستعمار. ونحن الآن نواصل نفس الجهود ضد الاستعمار الجديد.” ومع ذلك، فإن مثل هذه التصريحات تتناقض بشكل صارخ مع الواقع التاريخي. فلا تزال روسيا واحدة من آخر الإمبراطوريات الاستعمارية التي تحتفظ بهذه الهوية وتتبناها علنًا، كما يظهر بوضوح في وسائل الإعلام الحكومية الروسية والخطاب السياسي الرسمي. فطوال القرن التاسع عشر، ولاحقًا تحت حكم الاتحاد السوفيتي في القرن العشرين، وسعت روسيا حدودها من خلال غزو العديد من الشعوب والدول، واستعمارها من خلال توطين الروس الإثنيين فيها. كما أن الاتحاد السوفيتي احتل تقريبًا جميع دول أوروبا الوسطى لمدة تزيد عن 45 عامًا. إن ادعاء كوتراشيف بأن “روسيا لم تكن قوة استعمارية في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر”، وبأن “كلما دخلنا إلى بلد ما، فإننا نقيم علاقات متكافئة”، هو تصوير مشوه للواقع، ويُعد نموذجًا معتادًا من أساليب الدعاية التي يعتمدها. تبرير الهجمات على القواعد الأمريكية باعتبارها “مقاومة” تعكس ردود كوتراشيف المراوغة على الأسئلة المتعلقة بدعم “المقاومة” رغبة روسيا في الحفاظ على علاقاتها مع هذه الجماعات دون أن تعلن صراحة تأييدها للهجمات التي تشنها على القواعد الأمريكية في العراق — وهي القواعد التي تعمل بتفويض رسمي من الحكومة العراقية. وفي الوقت ذاته، رفض كوتراشيف أي مقارنة بين الوجود العسكري الأمريكي في العراق ووجود روسيا في سوريا، واصفًا الأول بأنه “احتلال”. وقد كان هذا تلاعبًا متعمدًا بالوقائع، حيث أن القوات الأمريكية التي دخلت العراق في عام 2003 انسحبت في عام 2011، منهية بذلك رسميًا فترة الاحتلال. أما الوجود العسكري الأمريكي الحالي، فهو قائم بناءً على طلب الحكومة العراقية في عام 2014 لتقديم المساعدة الدولية في محاربة تنظيم داعش. تبرير الهجمات على المنشآت الأمريكية باعتبارها أعمال مقاومة مشروعة ورغم ذلك، سمحت هذه الرواية لكوتراشيف بتبرير هجمات “المقاومة” على المنشآت الأمريكية باعتبارها أعمال مقاومة مشروعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وادعى كذلك أن رد روسيا على الضربات الجوية الأمريكية ضد جماعات “المقاومة” هو أن “150 مليون روسي يصلون” من أجل مقاتليها. كما ألمح كوتراشيف إلى أن روسيا ستُبدي تضامنًا مماثلًا إذا تعرضت إيران لهجوم. وفي سياق التطورات في سوريا، سُئل كوتراشيف أيضًا عن سبب ظهور روسيا وكأنها تتخلى عن شركائها القدامى مثل بشار الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق. وقد رفض السفير الروسي هذا الاتهام بشدة، مدعيًا أن سقوط الأسد كان نتيجة “الديناميكيات الداخلية السورية”. وأضاف قائلاً: “كانت روسيا آخر من نفذ ضربات جوية ضد قوات المعارضة في إدلب”. ومع ذلك، وعندما سُئل عن نقل المعدات العسكرية الروسية الثقيلة من سوريا إلى ليبيا، صرح كوتراشيف بأن هذه المعدات كانت مطلوبة في ليبيا بسبب القتال المستمر هناك والحاجة إلى استهداف الإرهابيين. وقد تناقض هذا الرد بشكل مباشر مع زعمه السابق بأن روسيا قد أنهت بالفعل عملياتها العسكرية في سوريا. وأضاف كوتراشيف أن روسيا لم تعد لديها أي أهداف عسكرية في سوريا لأنه، بحسب قوله، لم يعد هناك حرب

مصر كساحة للعمليات الإعلامية – تحليل استراتيجيات التأثير المعاصرة

مصر كساحة للعمليات الإعلامية – تحليل استراتيجيات التأثير المعاصرة

* * * * * * في عصر تتغير فيه ملامح الاتصال العالمي باستمرار، أصبحت البيئة الإعلامية المصرية مكانًا تكتسب فيه العمليات التأثيرية المتقدمة بُعدًا جديدًا. ومن بين الروايات والرسائل العديدة التي تشكل الرأي العام، تبرز الأعمال التي تنفذها روسيا والصين باعتبارها محل اهتمام خاص. هل يمكن للآليات المستخدمة من قبل هذه الدول أن تؤثر على إدراك الواقع في منطقة تُعد فيها المشاعر والتجارب التاريخية عنصرًا مهمًا في تشكيل المواقف الاجتماعية؟ تحليل العمليات الإعلامية العمليات التأثيرية الروسية زعزعة صورة الغرب وبولندا تصور الروايات الروسية بشكل منهجي حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كجهات اعتداء وزاعزعة للقوة وكرموز جديدة للإمبريالية. ويتم إيلاء اهتمام خاص لبولندا – التي تُعرض كعضو رئيسي في حلف الناتو ودولة تحد أوكرانيا – حيث تُنسب إليها دور المشاركة في الخطة المزعومة لتقسيم أوكرانيا. وتهدف هذه الرسائل إلى تقويض ثقة المجتمع المصري في الهياكل الغربية وإيجاد صورة للدول الغربية كأدوات عدوانية للإمبريالية. بناء صورة إيجابية لروسيا على النقيض من الصورة السلبية للغرب، تبني الدعاية الروسية صورة روسيا كشريك مستقر وودود. ومن أمثلة هذه الأعمال، على سبيل المثال لا الحصر، الترويج للتعاون مع مصر في إطار مجموعة البريكس، وتسليط الضوء على مشاريع البنية التحتية مثل محطة دباء النووية، وكذلك عرض مبادرات مثل جمع الهدايا للجنود، والتي تهدف إلى الإيحاء بدعم دولي واسع للعمليات العدوانية الروسية في أوكرانيا. الاستراتيجيات الإعلامية الصينية التركيز على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية تتميّز الأنشطة الإعلامية الصينية في مصر بمستوى أقل من المواجهة مقارنة بتلك الروسية، ويركز اهتمامها الأساسي على القضايا الاقتصادية وتحديث البنية التحتية. وتشمل العناصر الرئيسية للرسالة، على سبيل المثال لا الحصر، الترويج المكثف للاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (SCZone)، والدعم الخفي للروايات المعادية للغرب من خلال الإشارة إلى التهديد المزعوم الذي تشكله بنية حلف الناتو في بولندا، وإيجاد صورة للصين كشريك موثوق في التحول الطاقي والتكنولوجي لمصر. آليات العمليات النفسية وتقنيات الدعاية استخدام التلاعب العاطفي تستخدم كل من الاستراتيجيتين – الروسية والصينية – تقنيات إقناعية متقدمة تؤثر على مشاعر المتلقين. ومن بين الآليات الرئيسية: • الخوف وعدم الثقة: رسائل تخلق انطباعًا بالتهديد من التدخلات الغربية والتحالفات العسكرية. • الغضب والإحباط: روايات تتهم الغرب بالاستغلال الاقتصادي وفرض ظروف اقتصادية غير مواتية. • الهوية الثقافية: التأكيد على الفروق الثقافية التي تهدف إلى الإيحاء بفرض الغرب لقيم لا تتوافق مع تقاليد المنطقة. تحديد الأجندة وتأطير الرسائل كما تستخدم الدعاية تقنيات التركيز الانتقائي على الموضوعات: • تحديد الأجندة: تقوم وسائل الإعلام الموالية لروسيا، مثل سبوتنيك العربية وRT العربية، باختيار الموضوعات التي تهيمن على الرسالة ومنحها أولوية استراتيجية. • تأطير الرسائل: تُعرض الأحداث الدولية، مثل العمليات العسكرية أو التدخلات السياسية، بطريقة تفرض على الجمهور تفسيرًا محددًا – غالبًا مع التأكيد على الصورة الإيجابية لأعمال روسيا والصين والطابع السلبي للتدخلات الغربية. استخدام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية في الفضاء الإعلامي المصري، يُلاحظ تواصل واضح بين وسائل الإعلام الحكومية والمنصات الرقمية الحديثة. إن هيمنة القنوات التي تخضع لسيطرة الدولة تتيح التوزيع الواسع للرسائل الدعائية. وعلاوة على ذلك، يتم استغلال نشاط وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُستهدف الجماهير الشابة من خلال الروايات المتكررة والصيغ الجذابة (مثل الميمات والفيديوهات). العمليات الموجهة نحو تشكيل تصور بولندا وحلف الناتو يُولى اهتمام خاص أيضًا للروايات الموجهة ضد بولندا وحلف الناتو. تشمل التقنيات المثلى على سبيل المثال لا الحصر، إنشاء اتهامات زائفة بشأن تقسيم أوكرانيا وتصوير بولندا كدولة مهيجة، واستغلال أحداث مثل إغلاق القنصلية العامة الروسية في بوزنان لبناء صورة لبولندا كأداة لطموحات الإمبريالية الغربية، وتعبئة المشاعر السلبية، مثل الخوف من زعزعة الاستقرار والغضب تجاه التدخل الخارجي، والتي تهدف إلى تقويض مصداقية المؤسسات الغربية. عند تحليل الفضاء الإعلامي المصري، يمكن القول إن العمليات الإعلامية التي تنفذها روسيا والصين معقدة للغاية وموجهة بدقة. إن الآليات المستخدمة في هذه الحملات – بدءًا من الاختيار الانتقائي للموضوعات، مرورًا بتكرار الرسالة، وصولاً إلى التلاعب العميق بالمشاعر – يمكن أن يكون لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام في مصر. وفي سياق الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحلية، قد تؤدي الأعمال الدعائية الموجهة ضد الدول الغربية إلى تغييرات دائمة في تصور التحالفات الدولية والعلاقات السياسية. المصدر والخلفية التحليلية يعتمد هذا التحليل على فصل من تقرير “دراسة البيئة الإعلامية المصرية“، الذي تم تطويره في إطار مشروع “ألباتروس II – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – مواجهة التضليل والتهديدات الإعلامية للقيم والمؤسسات الديمقراطية“، والذي يؤثر سلبًا على العلاقات الدولية ويؤثر سلبًا على صورة بولندا في لبنان والعراق ومصر. يشكل تقرير “دراسة تأثير التضليل والدعاية على مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا — تقرير، استراتيجيات الدفاع وتنفيذ التوصيات“ تحليلًا متعدد الجوانب للبيئة الإعلامية المصرية، حيث تُعرض بالتفصيل بنية وخصائص وسائل الإعلام، وعادات المجتمع الإعلامية، وآليات التأثير التي تستخدمها الجهات الخارجية. ندعوكم للاطلاع على النسخة الكاملة من التقرير، الذي يقدم معلومات قيمة وتوصيات للمحللين والخبراء العاملين في مجال أمن المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

فشل العملية التأثيرية الروسية؟ يعترف الشيعة بأن روسيا “كانت تلعب مع إسرائيل” من وراء ظهورهم

فشل العملية التأثيرية الروسية؟ يعترف الشيعة بأن روسيا "كانت تلعب مع إسرائيل" من وراء ظهورهم

* * * * * * منذ سقوط نظام الأسد في سوريا، شهد السفير الروسي في العراق، إلبروس كوتراتشيف، تراجعًا حادًا في نشاطه العام. تشير تحليلات وسائل الإعلام الشيعية الموالية لإيران في العراق، والتي كانت تروج لروسيا بنشاط في السابق، إلى خيبة أملها من موسكو، وهو ما قد يفسر قرارها بالتراجع المؤقت. في 8 يناير، بثت قناة “العهد” الشيعية، المرتبطة بجماعة عصائب أهل الحق وزعيمها قيس الخزعلي، تقريرًا اتهمت فيه روسيا بأنها “لعبت لصالح إسرائيل” في سوريا و“تخلّت عن الاستراتيجية الإيرانية” فيما يتعلق بمحاربة الجهاديين التابعين لهيئة تحرير الشام (HTS)، الذين استولوا على السلطة في سوريا. يستند هذا التقرير إلى مقابلة بثتها وكالة “تابناك” الإخبارية الإيرانية، تضمنت حوارًا بين قادة إيرانيين ومسؤولين في هيئة الأركان العامة، وكشفت أن جيش الأسد كان فاسدًا، ولم يكتفِ بتجنب القتال، بل قام تحت ضغط روسيا وغيرها بتخريب محاولات القوات الإيرانية في سوريا لشن عمليات عسكرية. كما أشار التقرير الذي نقلته قناة “العهد” إلى أن الجيش السوري لم يزوّد القوات الإيرانية المتمركزة في حلب بأي أسلحة، ما أدى إلى سقوط المدينة بسرعة في يد هيئة تحرير الشام ومقتل قائد القوات الإيرانية، الجنرال كيومارس بورهاشمي. يشير تقرير قناة “العهد” أيضًا إلى أن روسيا دعمت عمليات إسرائيل بعد الضربة الإيرانية على هذا البلد في أبريل 2024. وبحسب ما نقلته “العهد” عن وكالة “تابناك“، فإن “روسيا أوقفت تشغيل راداراتها خلال الهجوم الإسرائيلي على القادة الإيرانيين في سوريا، وهو دليل واضح على تعاونها مع إسرائيل“. كما نقل التقرير عن أحد قادة الحرس الثوري الإيراني قوله: “تخلّت روسيا عن الاستراتيجية البرية الإيرانية التي كانت تهدف إلى القضاء على الجماعات الإرهابية، ووعدت بتنفيذ غارات جوية. لكن تبين أن هذه الغارات استهدفت منازل سكنية ومناطق صحراوية بدلاً من الأهداف العسكرية لتنظيم تحرير الشام“. ظهرت بالفعل في منتصف ديسمبر تقارير تفيد بأن عناصر من نظام الأسد، بتوجيه من الروس، زوّدوا إسرائيل بمعلومات عن مواقع تمركز القوات الإيرانية في سوريا لتمكين استهدافها بالقصف الجوي. استندت هذه التقارير إلى وثائق مسربة من الاتصالات بين وزارة الدفاع السورية وضابط مخابرات إسرائيلي يحمل الاسم الرمزي “موسى“، والذي كان يشرف على هذه العمليات. لم يكن هذا الأمر مفاجئًا، حيث كان معروفًا منذ فترة طويلة أن روسيا تمنع الأسد من تشغيل الدفاعات الجوية السورية خلال الغارات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا. ما أثار الدهشة، بدلاً من ذلك، هو أن إيران، رغم ذلك، زوّدت روسيا بطائرات مسيّرة استخدمتها في أوكرانيا، في حين أن وسائل الإعلام مثل “العهد” استمرت في الترويج لسرديات كوتراتشيف الغريبة حول أوروبا، الحروب العالمية، والحرب في أوكرانيا. قد يشكل تقرير قناة “العهد” بداية لتغيير في الخطاب الإعلامي للمصادر الشيعية الموالية لإيران بشأن الوضع في سوريا. حتى الآن، كانت السردية السائدة تقوم على نظرية مؤامرة تُحمّل مسؤولية الإطاحة بالأسد لتحالف يضم إسرائيل، الجهاديين، تركيا والغرب. إلى حد ما، كان هذا السرد يتماشى مع الرواية الروسية التي سعت إلى تصوير سقوط الأسد كجزء من “معركة روسيا الوحيدة” ضد “عدوان الغرب” على عدة جبهات، بما في ذلك أوكرانيا والشرق الأوسط. التقرير المذكور يكشف زيف هذه السردية ويفضح التناقضات فيها. يبقى السؤال مفتوحًا حول الاستراتيجية التي ستتبعها روسيا الآن لاستعادة نفوذها بين الشيعة العراقيين، وما إذا كانت ستنجح مرة أخرى في خداع هذه الأوساط عبر اللعب على مشاعر العداء للغرب. * * * إعداد: ويتولد ربيتوفيتش | shafafiyat.com * * *

الأنشطة الدعائية الموجهة ضد تصور الغرب والقيم الديمقراطية في مصر

الموجهة ضد تصور الغرب والقيم الديمقراطية في مصر

* * * * * * مصر، الواقعة في موقع استراتيجي عند تقاطع إفريقيا والشرق الأوسط، لطالما كانت نقطة مرجعية رئيسية لمبادرات سياسية واجتماعية متنوعة. ونظرًا لأهميتها الجيوسياسية، أصبحت البلاد في قلب أنشطة دعائية معقدة، وغالبًا ما تكون متنافسة، تهدف إلى تشكيل الرأي العام باتجاه عدم الثقة في الغرب والقيم الديمقراطية. هنا تتقاطع تأثيرات القوى العالمية، مثل روسيا والصين، التي تحاول تعزيز مكانتها في المنطقة، مع الحلفاء الغربيين التقليديين الذين لا يزالون يلعبون دورًا مهمًا في السياسة والاقتصاد المصري. وفي الوقت نفسه، يُظهر المجتمع المصري، الذي تأثر على مر السنين بالتدخلات الخارجية والتوترات الداخلية العديدة، قابلية للتأثر بالسرديات التي تدعم النماذج المحافظة والسلطوية للحكم. وفي ظل الوضع الاقتصادي غير المستقر والذكريات الحية للعصر الاستعماري، يجد الخطاب المناهض للغرب أرضية خصبة بسهولة، ويحظى بدعم إضافي في وسائل الإعلام الحكومية وغير الحكومية. وعلى الرغم من أن الشعور بالتهديد من الغرب يظل أحد الموضوعات البارزة، لا يمكن إغفال العوامل الثقافية أو التاريخية التي تؤثر على توزيع الميول السياسية. وفهم هذه الظواهر هو المفتاح لتطوير طرق فعالة لمواجهة المعلومات المضللة ودعم مواقف أكثر انفتاحًا وديمقراطية في المنطقة. المادة التالية هي أحد فصول تقرير: دراسة بيئة المعلومات في مصر، وتوضح حجم وسياق وعناصر الأنشطة التضليلية الموجهة ضد القيم الديمقراطية وتصوير الغرب في مصر. والملاحظات والتوصيات الواردة فيه ذات أهمية ليس فقط للمتخصصين في مجالات الاتصال أو الأمن، ولكن أيضًا للمنظمات غير الحكومية والبيئات الأكاديمية والمواطنين المهتمين بمستقبل مصر. الروايات الدعائية الرئيسية 1. الغرب كعدواني يُصوَّر الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة والناتو، كأنه المحرّض على الصراعات العالمية، لا سيما في سياق الحرب في أوكرانيا. تُبرز الروايات فكرة أن “روسيا أُجبرت على الدفاع” ضد الناتو. كما تُسلط الضوء على تدخلات الغرب في منطقة الشرق الأوسط (العراق، ليبيا، أفغانستان)، وتُقدَّم على أنها تحركات مدفوعة فقط بالمصالح الاقتصادية والجيوسياسية. 2. الديمقراطية كأداة للسيطرة تُعرض الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات للسيطرة النيوكولونيالية التي يستخدمها الغرب للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر والدول النامية الأخرى. على سبيل المثال، تُنتقد المؤسسات المالية الغربية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) باعتبارها أدوات للاستغلال الاقتصادي. 3. ازدواجية المعايير يتهم الغرب بالنفاق، حيث يدعم حقوق الإنسان في مناطق معينة بينما يتجاهل الانتهاكات في الدول الحليفة له، مثل إسرائيل، وهو ما يثير إحباطًا خاصًا في مصر. 4. الهيمنة الثقافية تُصوَّر وسائل الإعلام الغربية على أنها تروّج للإسلاموفوبيا وتؤجج العداء تجاه المسلمين واللاجئين. كما تُبرز محاولات الغرب لفرض قيم ثقافية تتعارض مع الهوية الوطنية المصرية. 5. انتقاد السياسة الخارجية للغرب تُظهر وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالعربية الولايات المتحدة كدولة تسعى للحفاظ على الهيمنة العالمية من خلال التلاعبات المالية والسياسية، بهدف إضعاف الدول الأخرى وإبقائها تحت التبعية للمصالح الأمريكية. تُقدَّم الاتحاد الأوروبي على أنه تابع للسياسة الأمريكية، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحه الاقتصادية والطاقة، مما يؤدي إلى أزمات داخلية وإضعاف مكانة أوروبا دوليًا. 6. التشكيك في وحدة وفعالية الناتو يُصوَّر الناتو كتحالف غير قادر على التعامل بفعالية مع التحديات الحديثة، وغالبًا ما تكون إجراءاته غير متسقة وغير فعالة. تشير وسائل الإعلام الروسية إلى الانقسامات الداخلية وغياب التوافق داخل الناتو، مما يؤدي إلى إضعاف موقعه كضامن عالمي للأمن. 7. تصوير القادة الغربيين بشكل سلبي يُظهر القادة الغربيون أحيانًا كغير أكفاء أو يتصرفون ضد مصالح شعوبهم، بهدف تقويض سلطتهم وشرعيتهم. تُبرز الروايات أخطاءهم وإخفاقاتهم السياسية، سواء على الصعيد الدولي أو الداخلي، مما يهدف إلى إثارة عدم الثقة تجاه القادة الغربيين. 8. دعم التحالفات والاتفاقيات البديلة تُروَّج مبادرات مثل مجموعة “بريكس” كبديل حقيقي للهياكل الاقتصادية والسياسية الغربية، مع الإشارة إلى أن التعاون مع الدول خارج الغرب يوفر فوائد أكبر واستقرارًا أفضل. تُبرز وسائل الإعلام الروسية النجاحات الناتجة عن التعاون مع دول مثل الصين، وتُقدمها كنموذج للشراكة الفعالة، على عكس العلاقات مع الغرب. تحليل الروايات تشير محتويات المنشورات التي تُصدرها وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالعربية إلى هيمنة الروايات التي تنتقد السياسة الخارجية والداخلية للدول الغربية، وتشكك في وحدة وفعالية الناتو، وتروج للتحالفات البديلة كخيارات أكثر فائدة للدول مثل مصر. غالبًا ما يتم تقديم القادة الغربيين بصورة سلبية، بهدف إضعاف مكانتهم في أعين الرأي العام المصري. الآليات الدعائية 1. القنوات والمصادر وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية: تستخدم الوكالات الحكومية الروسية مثل (Sputnik، RT) والمنصات الصينية مثل @mog_china لنشر محتوى يستهدف تقويض مكانة الناتو والغرب. وسائل الإعلام المحلية: تكرر المنصات الإعلامية المصرية بعض الروايات القادمة من الخارج، مما يعزز تأثيرها من خلال التركيز على الأحقاد التاريخية ضد الاستعمار. 2. التقنيات التلاعب بالحقائق: يُستغل إخراج المعلومات من سياقها، مثل الأحداث المأساوية المرتبطة بالمهاجرين، لتقديم الغرب كقوة مزعزعة للاستقرار. كما يُعزز الخطاب بشأن “خطط الغرب للسيطرة على مصر من خلال الديون والتدخل في السياسة الداخلية“. السرديات العاطفية: يُستغل تناول المواضيع الحساسة، مثل حقوق الفلسطينيين، لتعزيز انعدام الثقة تجاه الغرب. التأثير على الرأي العام 1. تصور الغرب يُنظر إلى الغرب كقوة مهيمنة تسعى لفرض مصالحها السياسية والاقتصادية على مصر. الإعجاب بـ“القيادة القوية” لفلاديمير بوتين في مواجهة الغرب يعزز الصورة الإيجابية لروسيا، خصوصًا بين المجموعات الاجتماعية المحافظة. 2. التأثير على القيم الديمقراطية تُعزز الدعاية الشكوك تجاه الديمقراطية كنظام سياسي، مع الترويج لنماذج بديلة للحكم مثل “الاستبداد المستقر“. 3. التوترات الاجتماعية تُعمّق الروايات الدعائية الانقسامات بين المؤيدين للإصلاحات المؤيدة للغرب والتقليديين الذين يرون الديمقراطية كتهديد للهوية الثقافية لمصر. رأي الخبير وفقًا للتشاور مع الشريك المحلي، يظهر المجتمع المصري قابلية عميقة لتبني السرديات المناهضة للغرب نتيجة لانعدام الثقة التاريخي تجاه القوى الخارجية والاعتقاد السائد بتدخل الغرب في شؤون المنطقة. يشير الخبير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بين الشباب، هي الوسيلة الرئيسية لنقل هذه السرديات. كما تم التأكيد على ضرورة تطوير مبادرات تعليمية لتعزيز مقاومة المجتمع للمعلومات المضللة. وفي الوقت نفسه، يرى الخبير أن المجتمع المصري يُظهر ميولًا قوية نحو روسيا والصين، نابعة من تصور هاتين الدولتين كقوى متوازنة في مواجهة الهيمنة الغربية. تُعتبر روسيا والصين “لاعبين عادلين” في السياسة العالمية، وتحظى رواياتهما بدعم واسع في وسائل الإعلام المصرية. كما أن المبادرات مثل مجموعة “بريكس” تعزز التصورات الإيجابية، من خلال التأكيد على دورها في مكافحة التفاوتات الاقتصادية. يشير الخبير إلى أن روسيا، من خلال اتفاقياتها مع مصر في القطاع الإعلامي، تعزز وجودها وتؤثر على السرديات الإعلامية في المنطقة. ويضيف أن تعاطف المصريين مع روسيا والصين ينبع من قدرتهما على تقديم نفسيهما كقوى متوازنة ضد الهيمنة الغربية. في الوقت ذاته، ورغم الحذر المصري في التعامل مع الغرب، فإن الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة وأوروبا يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل سياسات البلاد. ومع ذلك، فإن وسائل الإعلام المصرية، التي تُظهر استعدادًا أكبر للترويج للسرديات المؤيدة لروسيا، قد تصبح في المستقبل ساحة

مصر كهدف للعمليات المعلوماتية الروسية والصينية

* * * * * * خلال الفترة قيد التحليل (سبتمبر–ديسمبر 2024)، تميز المشهد الإعلامي المصري بنشاط مكثف في مجالات الدعاية والمعلومات المضللة من جانب روسيا، مع وجود صيني أكثر خفية ولكنه متسق. هدفت هذه الأنشطة إلى التأثير على الرأي العام المصري، والنخب السياسية، وكذلك الجمهور الإقليمي والدولي. كان الاتجاه الرئيسي للتأثير يتمثل في محاولة تقديم روسيا والصين كشريكين مستقرين يدعمان نظاماً عالمياً بديلاً ويكافحان هيمنة الغرب، مع التشكيك في مصداقية ونوايا الدول الغربية، بما في ذلك بولندا وحلف الناتو والولايات المتحدة. تظهر التحليلات أن مصر تمثل ساحة رئيسية لاختراق المعلومات من قبل هاتين القوتين بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية ومكانتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تستخدم العمليات المعلوماتية التي تقوم بها روسيا والصين في مصر التوترات القائمة، والضغوط الاقتصادية والطاقة، بالإضافة إلى القيود المفروضة على حرية الإعلام في البلاد، لبناء خطاب يصب في مصلحة بكين وموسكو، ويضر بصورة الغرب، بما في ذلك بولندا. تعمل الروايات الروسية بشكل هجومي على تقويض الثقة في دول الناتو والاتحاد الأوروبي، مقدمة إياها كقوى عدوانية تسعى إلى الهيمنة. في المقابل، تأتي الجهود الصينية بشكل أكثر خفية ولكنها تدعم هذا الخط من الحجة، مع الترويج أيضاً لبدائل اقتصادية ونظام عالمي متعدد الأقطاب. والنتيجة أن المجتمع المصري يتلقى صورة مشوهة للواقع الجيوسياسي، مما قد يؤثر على الخيارات الاستراتيجية طويلة المدى للقاهرة. لمواجهة هذا التأثير، يجب على بولندا والدول الغربية العمل بنشاط في مجال الدبلوماسية العامة، وتعزيز الإعلام المستقل، ودعم التعددية المعلوماتية، والترويج لروايات إيجابية تستند إلى الحقائق بشأن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. بدون جهود منسقة، ستستمر الأنشطة المعلوماتية المضللة الروسية والصينية في إعاقة التعاون الفعّال مع مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. اتجاهات وسرديات العمليات الروسية للتأثير السرديات المناهضة للغرب وحلف الناتو: تواصل روسيا الترويج لسرديات تصور حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة كجهات معتدية وقوى زعزعة استقرار ذات طموحات إمبريالية جديدة. تُبرز بولندا، كواحدة من الأعضاء الرئيسيين في حلف الناتو ودولة مجاورة لأوكرانيا، بشكل متكرر في الدعاية الروسية كمدبرة مزعومة أو مستفيدة من “خطة” تقسيم أوكرانيا. تعرض الدعاية الروسية عبر وسائل الإعلام الناطقة بالعربية في مصر، مثل وكالة سبوتنيك عربي، بولندا والدول الغربية كقوى تسعى لاحتلال أوكرانيا تحت غطاء “مهمة سلام“، مع محاولة تعزيز الاعتقاد بأن الغرب يمارس معايير مزدوجة لتحقيق أهداف إمبريالية مخفية. تهدف هذه السرديات المناهضة للغرب والناتو إلى تقويض ثقة المجتمع المصري في الدول الغربية (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة)، وفي الهياكل مثل حلف الناتو، وكذلك في حلفائهم (بما في ذلك بولندا). تصور الدعاية الروسية الغرب كقوة عدوانية وإمبريالية تفرض إرادتها على الدول الأخرى. وفي هذا السياق، يتم تصوير الناتو على أنه ليس تحالفًا دفاعيًا بل أداة للهيمنة السياسية والعسكرية. في السياق المصري، تستغل هذه السرديات حساسية المنطقة تجاه التدخلات الغربية (مثل الحرب في العراق وليبيا، أو دعم الغرب لإسرائيل) والوضع الاقتصادي والطاقوي الصعب في مصر. تصوغ روسيا سردًا يصور العالم على أنه مكان تقدم فيه روسيا والصين بديلًا للنظام الغربي الحالي “غير العادل” والمهيمن. الاستفادة من المشاعر المناهضة لإسرائيل في معارضة الغرب: نظرًا لأن القضية الفلسطينية ودور إسرائيل يحتلان مكانة بارزة في السرديات الشرق أوسطية، تعمل الدعاية الروسية والمصادر المؤيدة لها في المنطقة على ربط انتقاد الغرب بخطاب مناهض لإسرائيل. يتم تقديم الغرب كراعٍ لإسرائيل، مما يعزز في نظر العديد من المتلقين في مصر أو في العالم العربي عمومًا الصورة السلبية لحلف الناتو والولايات المتحدة. بولندا ودول الجناح الشرقي للناتو كـ “أدوات” و“دمى” للغرب: يتم تصوير حلف الناتو كمنظمة تتوسع عمدًا شرقًا، مما يشكل تهديدًا لأمن الدول الأخرى. تروج الدعاية الروسية لادعاءات حول خطط مزعومة لنشر قوات غربية في أوكرانيا تحت ستار “قوات حفظ السلام“، وهو ما يُفسر كاحتلال فعلي للبلاد. تُعرض دول مثل بولندا، رومانيا، ودول البلطيق كامتداد لسياسات الولايات المتحدة وحلف الناتو، دون استقلالية سياسية، بهدف إضعاف صورتها كجهات فاعلة مستقلة. يتم تكوين انطباع بأن هذه الدول تنفذ طموحات أمريكية، مثل الخطط المزعومة لتقسيم أوكرانيا، أو ضم الأراضي، أو عسكرة الحدود الشرقية. شيطنة المساعدات الغربية لأوكرانيا: تُقدم المساعدات العسكرية والمالية المقدمة لأوكرانيا على أنها خطوة لجذب البلاد إلى الهياكل الغربية بهدف إخضاعها لمصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. تتجاهل هذه السردية الأسباب الفعلية للدعم (مثل العدوان الروسي على أوكرانيا ورغبة الغرب في الدفاع عن السيادة الأوكرانية)، وبدلاً من ذلك تركز على مزاعم حول “استعمار” أوكرانيا أو استغلال مواردها. استغلال معاداة السامية ونظريات المؤامرة: روج دعاة الدعاية الروسية لسرديات كاذبة حول مزاعم هجرة جماعية لليهود إلى أوكرانيا عبر بولندا. الهدف من ذلك إثارة الشكوك والعداء داخل المجتمعات العربية، الحساسة تجاه القضايا المتعلقة بفلسطين وإسرائيل. تسعى روسيا من خلال ذلك إلى الجمع بين الخطاب المناهض لإسرائيل والخطاب المناهض للغرب، لتعزيز الصورة السلبية لبولندا في أعين المصريين، كمشارك مزعوم في أنشطة استعمارية أو تلاعبية. خلق صورة زائفة لروسيا كـ “شريك مستقر وصديق“: تحاول الدعاية الروسية باستمرار تقديم روسيا كبديل مستقر وصديق للغرب، متجنبة تسليط الضوء على تصرفاتها العدوانية، ومقدمة نفسها كداعم للنظام العالمي المتعدد الأقطاب وحامي السيادة الوطنية للدول. بناء صورة روسيا كمدافع عن النظام العالمي متعدد الأقطاب: تُبرز الرسائل الروسية التعاون مع مصر في إطار مجموعة “بريكس“، مع التركيز على الاستقلال عن الدولار والمؤسسات الغربية. قام الدبلوماسيون الروس ووسائل الإعلام الرسمية بتسليط الضوء على المشاريع البنية التحتية، مثل محطة الضبعة للطاقة النووية، كدليل على متانة الشراكة بين موسكو والقاهرة وفوائدها. كما تم الترويج لروايات عن جمع تبرعات لجنود روس يقاتلون في أوكرانيا، قيل إنها تأتي من العديد من الدول، بما في ذلك بولندا، في محاولة لإظهار أن روسيا تحظى بدعم دولي، حتى في الدول التي يُنظر إليها على أنها موالية للناتو. تعزز هذه الرسائل الانطباع بأن روسيا تحظى بتأييد شعبي عالمي على الرغم من الانتقادات الرسمية من الغرب. الاتجاهات الرئيسية والسرديات في العمليات الإعلامية الصينية: تعمل الصين بشكل أقل مواجهة مقارنة بروسيا، وتركز على الجوانب الاقتصادية، والبنية التحتية، والتكنولوجية. في الوقت نفسه، تدعم بكين بشكل غير مباشر الروايات الروسية المناهضة للغرب والناتو، لتعزيز صورة التعاون مع روسيا في معارضة الغرب. المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (SCZone): تروج الصين بشكل مكثف لاستثمارات الشركات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مما يخلق بديلًا للاستثمارات الغربية ويقلل من اعتماد مصر على الغرب. تبرز وسائل الإعلام الصينية والقنوات المؤيدة لها في مصر قيمة المشاريع الجديدة والدور المتزايد للصين في تحديث الاقتصاد المصري. ورغم تجاهل روسيا والصين للسياقات الجيوسياسية السلبية، تسعى الصين إلى تقديم نفسها كشريك قادر على دعم مصر في التحول في قطاع الطاقة، من خلال مشاريع الطاقة الخضراء وتطوير التكنولوجيا الحديثة. تهدف هذه الجهود إلى خلق انطباع بأن الصين تقدم بديلًا حقيقيًا للحلول الغربية. الدعم